Tue 23 Jun 2026 4:16 pm - Jerusalem Time

بروتوكول الخليل 1997: حين تحول التقسيم المؤقت إلى واقع استيطاني دائم

تعد محطة بروتوكول الخليل لعام 1997 واحدة من أكثر المنعطفات إثارة للجدل في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث لم تكن مجرد نصوص سياسية بل تركت آثاراً عميقة في الجغرافيا والوعي الفلسطيني. لقد أعاد هذا الاتفاق رسم حدود السيطرة داخل واحدة من أقدم المدن الفلسطينية وأكثرها رمزية، في وقت كان الفلسطينيون يأملون فيه باستكمال الانسحاب الإسرائيلي الشامل.

جاء الاتفاق في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير 1997، ليعالج خصوصية الخليل التي تضم الحرم الإبراهيمي وبؤراً استيطانية في قلب نسيجها العمراني. وبموجب هذا البروتوكول، تم تقسيم المدينة إلى منطقتين متباينتين في الصلاحيات والسيادة، مما خلق واقعاً معقداً أثر على حياة عشرات الآلاف من السكان الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم ضحية لخرائط النفوذ الجديدة.

المنطقة الأولى المعروفة بـ 'H1' شملت نحو 80% من مساحة المدينة، حيث انتقلت المسؤوليات الإدارية والأمنية فيها إلى السلطة الفلسطينية. ورغم أن هذا الجزء بدا وكأنه استعادة للسيادة، إلا أنه ظل محاصراً بالترتيبات الأمنية التي فرضها الاحتلال على المداخل والمخارج المرتبطة بالمنطقة الثانية.

أما المنطقة الثانية 'H2'، فقد بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهي المنطقة التي تضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي والمستوطنات. هذا التقسيم وضع آلاف الفلسطينيين تحت حكم عسكري مباشر، حيث تحولت حياتهم اليومية إلى سلسلة من المواجهات مع الحواجز ونقاط التفتيش الدائمة.

من الناحية السياسية، سُوّق الاتفاق حينها كخطوة نحو السلام واستكمالاً لاتفاقات أوسلو، لكن الواقع أثبت أنه كان 'إعادة هندسة' للاحتلال. فقد احتفظت إسرائيل بالمواقع الاستراتيجية والحساسة، بينما منحت الفلسطينيين إدارة محدودة في مناطق سكنية مكتظة ومقيدة بالتزامات أمنية ثقيلة.

شكلت الخليل منذ ذلك الحين نموذجاً صارخاً لفكرة 'السيطرة دون الانسحاب'، حيث توهم العالم بوجود تراجع عسكري إسرائيلي بينما كانت الهيمنة تترسخ في قلب المدينة. ومع مرور السنوات، تحول القلب التاريخي للخليل إلى فضاء مغلق تملؤه البوابات الإلكترونية والمكعبات الإسمنتية التي تفصل الجيران عن بعضهم البعض.

لقد أدى هذا الواقع إلى نقل الصراع من مواجهة شاملة مع الاحتلال إلى إدارة مجزأة للحياة اليومية، حيث تداخلت القوانين والمسؤوليات الأمنية بشكل معقد. وأصبحت المسافة بين شارع وآخر في الخليل تعني الانتقال من مستوى معين من الحرية إلى قيود أمنية مشددة تفرضها قوات الاحتلال.

على الصعيد الاقتصادي، دفعت المدينة ثمناً باهظاً نتيجة هذا التقسيم الجغرافي والأمني، حيث شُلت الحركة التجارية في الأسواق التاريخية. وأغلقت مئات المحال التجارية أبوابها قسراً أو بسبب انعدام الزبائن، مما أدى إلى تدهور الشريان الاقتصادي الحيوي الذي كانت تمثله البلدة القديمة لكل جنوب الضفة الغربية.

لم يعد التقسيم مجرد خطوط مرسومة على الخرائط السياسية، بل تحول إلى عامل يومي يعيد تشكيل النسيج الاجتماعي والعلاقات الإنسانية داخل المدينة. فقد تسببت الحواجز في عزل عائلات بالكامل، وجعلت من الوصول إلى الخدمات الأساسية أو زيارة الأقارب رحلة محفوفة بالمخاطر والتعقيدات الإدارية.

رسخ البروتوكول معادلة أمنية غير متكافئة، حيث أصبح وجود عدد قليل من المستوطنين مبرراً لفرض إجراءات استثنائية على عشرات الآلاف من الفلسطينيين. هذه المفارقة جعلت من 'الأمن الإسرائيلي' الأولوية المطلقة التي تتقدم على كافة الحقوق الإنسانية والمدنية للسكان الأصليين في المدينة.

مع تعثر مسارات التسوية السياسية في العقود اللاحقة، تحول بروتوكول الخليل من ترتيب انتقالي مؤقت إلى واقع دائم يصعب تجاوزه. وأصبحت الاستثناءات التي وضعت في عام 1997 هي القواعد التي تحكم المدينة اليوم، مما يعكس أزمة عميقة في نهج الاتفاقات الجزئية التي لا تنهي الاحتلال.

يرى مراقبون أن هذا الاتفاق يجسد فشل مراهنات السلام التي لا تستند إلى العدالة وإنهاء أسباب الصراع من جذورها. فبدلاً من أن يكون البروتوكول جسراً نحو الاستقلال، تحول إلى أداة لشرعنة الوجود الاستيطاني في قلب المدن الفلسطينية الكبرى تحت غطاء التنسيق الأمني.

بعد قرابة ثلاثة عقود، لا تزال شوارع الخليل وأسواقها المغلقة شاهدة على تعقيدات ذلك الاتفاق الذي ضيق الخناق على الوطن ووسع نفوذ الاحتلال. المدينة التي كانت رمزاً للتنوع التاريخي، باتت اليوم نموذجاً مكثفاً لصراع الهوية والسيادة الذي لم تحسمه الأوراق الموقعة في الغرف المغلقة.

يبقى السؤال الذي يطرحه تاريخ الخليل المعاصر معلقاً فوق مآذنها وحواجزها: هل كان بروتوكول 1997 خطوة نحو التحرر أم صيغة مبتكرة لاستدامة الاحتلال؟ إن واقع المدينة اليوم يشير إلى أن السلام الحقيقي لا يصنعه تقسيم مناطق النفوذ، بل إنهاء منظومة السيطرة بالكامل.

Tags

Share your opinion

بروتوكول الخليل 1997: حين تحول التقسيم المؤقت إلى واقع استيطاني دائم

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.