تشهد أروقة السياسة الدولية تحولاً لافتاً في استراتيجيات حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، حيث بدأ هؤلاء الشركاء بالعمل بعيداً عن الأضواء لتقليص اعتمادهم التاريخي على واشنطن. وتأتي هذه التحركات في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة للاحتفال بذكرى استقلالها الـ250، إلا أن شركاءها باتوا يدركون أن هذه العلاقات لم تعد توفر الحماية الكافية من أساليب الضغط التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
أفادت مصادر تحليلية بأن المناخ السياسي الجديد حول العلاقات الوثيقة مع واشنطن من مصدر قوة إلى نقطة ضعف محتملة، خاصة بعد أن أثبتت الإدارة الأمريكية قدرتها على استخدام القوة الاقتصادية ضد الأصدقاء والخصوم على حد سواء. وقد تجلى هذا القلق في تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي انتقدت معاملة ترامب للحلفاء الديمقراطيين بحدة تفوق أحياناً تعامله مع الأنظمة الاستبدادية.
يبرز قطاع الذكاء الاصطناعي كأحد أهم ميادين الصراع على السيادة الوطنية، حيث أثارت قرارات واشنطن بتقييد الوصول إلى نماذج متطورة مثل 'ميثوس 5' قلقاً واسعاً لدى العواصم الأوروبية. هذه الخطوات دفعت قادة الصناعة في أوروبا للتحذير من مخاطر الاعتماد الكلي على تكنولوجيا يمكن للولايات المتحدة إيقافها بقرار سياسي مفاجئ، مما يهدد استقرار الاقتصادات الرقمية الناشئة.
في باريس، حذر آرثر مينش، رئيس شركة 'ميسترال' للذكاء الاصطناعي، من أن السيادة التقنية أصبحت ضرورة ملحة وليست مجرد خيار استراتيجي. ويرى مراقبون أن ما يُعرف بـ 'لحظة ميثوس' كانت بمثابة جرس إنذار للدول الأوروبية لتعزيز نماذجها الخاصة وتقليل الارتباط بالشركات الأمريكية التي تخضع لتقلبات المزاج السياسي في البيت الأبيض.
لا يقتصر القلق على الجانب التقني فحسب، بل يمتد ليشمل قطاع الدفاع والأسلحة، حيث أعادت تهديدات ترامب السابقة بشأن قضايا سيادية مثل 'غرينلاند' التذكير بحجم التبعية العسكرية للأوروبيين. هذا الواقع دفع شركات الدفاع الأمريكية للتخوف من خسارة أسواق كبرى، في ظل توجه الحكومات الأوروبية للبحث عن بدائل محلية أو تنويع مصادر تسليحها لضمان استقلالية قرارها العسكري.
في آسيا، تبرز الهند كنموذج للدول التي بدأت تعيد تقييم شراكتها مع واشنطن نتيجة الرسوم الجمركية والتقارب الأمريكي مع خصوم إقليميين. وقد أشارت دراسات بحثية إلى أن 'عامل ترامب' كان دافعاً رئيسياً لنيودلهي في قرارها بتفضيل شراء طائرات مقاتلة فرنسية على نظيرتها الأمريكية، في محاولة لتجنب الضغوط السياسية المرتبطة بصفقات السلاح.
أما كندا، الجار الأقرب للولايات المتحدة، فقد تبنت نهجاً أكثر منهجية في التعامل مع مسألة السيادة الوطنية، خاصة بعد تصريحات ترامب المثيرة للجدل حول وضعها السياسي. وحددت الحكومة الكندية تسعة قطاعات اقتصادية حيوية، من بينها أشباه الموصلات وأنظمة المدفوعات، واعتبرتها ركائز أساسية يجب حمايتها من أي تدخلات أو تبعات خارجية قد تفرضها واشنطن.
الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا يتمثل في أن تعتمد صناعتها بالكامل على تقنية يمكن إيقافها إذا قررت الولايات المتحدة ذلك.
رغم هذه المساعي، يظل التساؤل قائماً حول مدى واقعية الاستقلال الكامل عن الاقتصاد الأمريكي، حيث لا تزال 70% من التجارة الكندية مرتبطة بالولايات المتحدة. كما أن الشركات الأوروبية الناشئة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة لا تزال تواجه تحديات كبرى في منافسة العمالقة الأمريكيين الذين يمتلكون موارد مالية وتقنية هائلة يصعب تجاوزها في أمد قصير.
يشير المحللون إلى أن العالم الغربي يواجه معضلة مزدوجة، تتمثل في التبعية التكنولوجية لواشنطن والاعتماد على الصين في تأمين المعادن الحيوية. هذه التبعيات العميقة تجعل من فكرة الانفصال التام أمراً شبه مستحيل، لكنها تدفع الدول للبحث عن استراتيجيات للحد من الآثار السلبية لهذه التبعية عبر بناء تحالفات تجارية جديدة لا تشمل القطبين الكبيرين.
تعد اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP) نموذجاً محتملاً لهذا التوجه، حيث تضم قوى متوسطة مثل اليابان وأستراليا وبريطانيا. وتجري حالياً نقاشات بين هذه الكتلة والاتحاد الأوروبي لإبرام صفقات تجارية تهدف لخفض الرسوم الجمركية وتعزيز التبادل التجاري البيني، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية أو الصينية.
تقترح بعض الرؤى الاستراتيجية أن الحل لا يكمن في الاستقلال التام، بل في امتلاك 'أدوات ضغط' اقتصادية يمكن استخدامها للردع عند الحاجة. ويستشهد الخبراء بالنموذج الصيني الذي استخدم القيود على تصدير المعادن الحيوية للرد على الرسوم الأمريكية، وهي استراتيجية أثبتت فعاليتها في إجبار واشنطن على مراجعة بعض سياساتها المتشددة.
في هذا السياق، يمكن للهند أن تستغل موقعها كمنتج عالمي للأدوية الجينية كورقة ضغط في أي مواجهة اقتصادية مستقبلية مع الإدارة الأمريكية. وبالمثل، تمتلك كندا موارد طبيعية استراتيجية مثل 'البوتاس' الضروري للزراعة الأمريكية، مما يمنحها قدرة على المناورة في حال تعرضت مصالحها الاقتصادية لتهديدات مباشرة من جارتها الجنوبية.
أوروبا بدورها تمتلك أوراقاً تقنية وصناعية قوية، مثل شركة 'إي إس إم إل' الهولندية التي تسيطر على تقنيات إنتاج أشباه الموصلات الأكثر تطوراً في العالم. بالإضافة إلى دورها كمصدر رئيسي لليورانيوم والتوربينات، وهي قطاعات حيوية يمكن استخدامها لضمان توازن القوى في أي نزاع تجاري قد ينشب مع الولايات المتحدة في المستقبل.
ختاماً، يبدو أن العالم الذي صاغته سياسات ترامب أجبر الديمقراطيات الغربية على الاستعداد لسيناريوهات كانت تُعد في السابق غير قابلة للتصديق، بما في ذلك الحروب الاقتصادية بين الحلفاء. ورغم مرارة هذا الواقع، إلا أنه يدفع نحو تشكيل نظام عالمي جديد تسعى فيه القوى المتوسطة لانتزاع سيادتها وحماية مصالحها في ظل تراجع الثقة في القيادة الأمريكية التقليدية.





Share your opinion
حلفاء واشنطن يبحثون عن 'الاستقلال' الاقتصادي والتقني في عهد ترامب