Tue 23 Jun 2026 10:05 am - Jerusalem Time

هند رجب.. الشاهدة التي لم يغب صوتها بعد الموت

في الحروب الكبرى، لا تموت القصص بموت أصحابها، بل تتحول إلى رموز تتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذا ما حدث مع الطفلة الفلسطينية هند رجب التي أصبحت صورتها وصرخاتها الأخيرة واحدة من أكثر الشواهد إيلامًا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، فبعد أكثر من عامين على استشهادها، لا يزال اسمها حاضرًا في الوعي الفلسطيني والعالمي، ويعود إلى الواجهة كلما ارتبطت التطورات العسكرية أو السياسية بالوحدة التي وُجهت إليها أصابع الاتهام في قضيتها.

إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل المقدم دور بن سمحون، قائد الكتيبة 52 التابعة للواء المدرع 401، أعاد فتح ملف هند رجب من جديد، فسرعان ما تداول ناشطون ومنظمات حقوقية معلومات وتقارير سابقة تتحدث عن دور وحدات مدرعة من هذه الكتيبة في استهداف السيارة التي كانت تقل الطفلة وعائلتها، ثم استهداف طاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إليها لإنقاذها.

ولم يكن بن سمحون أول قائد لهذه الكتيبة يخرج من المعركة بين قتيل وجريح. فمنذ اندلاع الحرب تعرض عدد من قادة الكتيبة لإصابات متفاوتة، فيما قُتل آخرون خلال العمليات العسكرية في غزة ولبنان، هذه السلسلة المتواصلة من الخسائر دفعت كثيرين إلى الحديث عما بات يُعرف إعلاميًا وشعبيًا بـ"لعنة هند رجب"، في إشارة رمزية إلى المصير الذي يلاحق القادة المرتبطين بالوحدة المتهمة بالتورط في واحدة من أبشع الجرائم التي هزت الرأي العام العالمي.

بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بلعنة بالمعنى الحرفي  للكلمة، بل بحقيقة سياسية وأخلاقية أعمق،  فالضحايا الذين يُقتلون ظلمًا لا يختفون من التاريخ، بل يتحولون إلى شواهد دائمة على الجريمة، وما حدث مع هند رجب يؤكد أن بعض الأحداث تتجاوز نتائجها الميدانية المباشرة لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية للشعوب، ورمزًا يرافق كل نقاش حول العدالة والمحاسبة.

لقد أرادت إسرائيل أن تكون قصة هند مجرد رقم إضافي في قوائم الضحايا الهائلة التي خلفتها الحرب، لكن المشهد انقلب على نحو مختلف، فالطفلة التي تُركت لساعات تستغيث قبل أن تُقتل، تحولت إلى قضية دولية وإلى رمز إنساني تجاوز حدود فلسطين، وأصبحت قصتها حاضرة في التقارير الحقوقية والفعاليات التضامنية والمحافل القانونية التي تبحث في الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.

المفارقة أن القوة العسكرية قادرة على تدمير البيوت وقتل البشر، لكنها عاجزة عن قتل الرموز، فالأسماء التي تكتب بالدم تبقى حية في الذاكرة أكثر من أسماء الجنرالات والقادة، ومن هنا يمكن فهم سبب عودة اسم هند رجب إلى الواجهة مع كل تطور يخص الكتيبة 52 أو قادتها؛ لأن القضية لم تعد مرتبطة بحدث عسكري عابر، بل أصبحت مرتبطة بسؤال العدالة ذاته.

 قد يختلف الناس حول توصيف ما يحدث، بين من يراه مجرد مصادفات الحرب ومن يراه عقابًا معنويًا يلاحق المتورطين في الجرائم، لكن المؤكد أن هند رجب انتصرت على محاولة محوها من الذاكرة، فالطفلة التي قُتلت وحيدة وسط الرصاص والدبابات أصبحت رمزًا عالميًا للضحايا الأبرياء، وأصبح اسمها يطارد رواية الاحتلال أينما ذهبت، وهكذا تثبت التجارب أن الضحية قد تُقتل جسدًا، لكنها تبقى حاضرة بقوة الحقيقة، بينما يظل القتلة أسرى لذكرى الجريمة التي لا تسقط بالتقادم ولا تغيب عن ضمير التاريخ.

في النهاية، لم تكن هند رجب جنرالًا يحمل السلاح، ولا قائدًا يدير المعارك، بل طفلة صغيرة كانت تبحث عن النجاة وسط جحيم الحرب، لكن المفارقة أن اسمها بقي حاضرًا بقوة تفوق أسماء كثير من القادة والضباط الذين امتلكوا الدبابات والأسلحة، لقد أرادوا أن تتحول إلى رقم في سجل الضحايا، فإذا بها تتحول إلى رمز يلاحقهم في الذاكرة والوجدان والرواية، وربما تكون هذه هي الحقيقة التي يخشاها المحتلون دائمًا؛ أن الضحايا لا يختفون بموتهم، بل يبدأ حضورهم الحقيقي بعد الرحيل. فالأطفال الذين يُقتلون ظلمًا لا يتركون وراءهم قبورًا فقط، بل يتركون أسئلة مفتوحة، وشهادات دامغة، وذاكرة لا تهزمها القوة ولا يمحوها الزمن، وهكذا تبقى هند رجب، رغم غيابها، حاضرة أكثر من كثيرين ما زالوا على قيد الحياة، شاهدةً على الجريمة، ورمزًا لحقيقةٍ مفادها أن الدم البريء قد يتأخر صوته، لكنه لا يصمت أبدًا.

Tags

Share your opinion

هند رجب.. الشاهدة التي لم يغب صوتها بعد الموت

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.