أعلنت ديم سارة مولالي، رئيسة أساقفة كانتربري ومقر الكنيسة الأنجليكانية، عن التزامها الكامل بدعم تطلعات الشعب الفلسطيني في نيل حريته واستقلاله. وأكدت خلال زيارتها الحالية للأراضي المقدسة أنها ستسخر ثقل منصبها الديني والاعتباري للمطالبة بالسلام العادل والحرية التي طال انتظارها للفلسطينيين الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.
بدأت مولالي، التي تعد أول امرأة تتبوأ هذا المنصب الرفيع منذ قرابة 14 قرناً، رحلة حج وتضامن تستمر لخمسة أيام في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأتي هذه الخطوة استجابة لدعوة رسمية وجهها المطران حسام نعوم، رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية في القدس، لتعزيز التواصل مع المجتمع المسيحي والمحلي في المنطقة.
وفي مشهد تاريخي، ألقت رئيسة الأساقفة عظة صباحية في كنيسة القديس بطرس ببلدة بيرزيت، لتكون بذلك أول مسؤولة في هذا المنصب تزور هذه البلدة الفلسطينية. وعبرت في كلمتها عن امتنانها العميق لحفاوة الاستقبال التي وجدتها من المصلين، رغم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بحياتهم اليومية تحت وطأة الاحتلال.
وتطرقت مولالي بوضوح إلى الفوارق الشاسعة في الحقوق الأساسية، مشيرة إلى أنها تدرك حجم الامتيازات التي تتمتع بها مقارنة بالفلسطينيين المحرومين من أبسط حقوق التنقل. وقالت إن قدرتها على عبور نقاط التفتيش والحدود والوصول إلى القدس بسهولة تجعلها تشعر بتواضع شديد أمام صمود المواطنين الذين يواجهون عوائق لا حصر لها.
وشددت رئيسة الأساقفة على أن المشاهدات التي رصدتها خلال جولتها لن تغيب عن ذاكرتها، مؤكدة أنها ستحمل هذه الشهادات الحية إلى بريطانيا والمحافل الدولية. وأوضحت أن ثمن اتباع القيم الروحية والتمسك بالأرض في موطن السيد المسيح بات باهظاً جداً على العائلات الفلسطينية التي تعاني من التضييق المستمر.
تأتي هذه المواقف القوية في سياق تصاعد الانتقادات داخل الكنيسة الإنجليزية للسياسات الإسرائيلية، حيث سبق وأن صرح المطران ستيفن كوتريل، رئيس أساقفة يورك، بتعرضه لترهيب مباشر من قبل مستوطنين مسلحين. وكان كوتريل قد وصف في وقت سابق الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية بأنها ترتقي إلى مستوى أعمال الإبادة الجماعية.
وفي ذات السياق، كان المطران حسام نعوم قد وضع الهيئة التشريعية لكنيسة إنجلترا في صورة الأوضاع الإنسانية الكارثية بقطاع غزة، مشبهاً آليات توزيع الغذاء هناك بـ 'ألعاب الجوع'. وأوضح نعوم أن الفلسطينيين يضطرون للتنافس من أجل البقاء وتجنب الموت في ظل حصار خانق يفتقر لأدنى المعايير الإنسانية.
سأستخدم منصبي كأسقفة للسعي نحو السلام الذي تنشدونه والحرية التي تستحقونها.
ولم تقتصر تصريحات مولالي على الجانب السياسي الصرف، بل ربطت بين رسالتها الروحية وضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية. وأشارت إلى أنها تصلي من أجل جميع المتضررين من الحروب حول العالم، مع التركيز بشكل خاص على 'الإخوة والأخوات' في فلسطين الذين يواجهون تحديات وجودية.
وتتضمن جولة رئيسة الأساقفة برنامجاً مكثفاً يشمل زيارة مدن القدس والناصرة وبيت لحم، بالإضافة إلى تفقد مشاريع الرعاية الصحية والمؤسسات التعليمية التي تديرها الأبرشية. وتهدف هذه الزيارات إلى الاطلاع عن كثب على التحديات الميدانية التي تواجه المؤسسات الكنسية والخدمية في ظل القيود المفروضة.
ومن المقرر أن تلتقي مولالي خلال رحلتها بعدد من البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس المحتلة للاستماع إلى رؤيتهم حول مستقبل الوجود المسيحي في المنطقة. وتسعى من خلال هذه اللقاءات إلى بلورة موقف كنسي موحد يدعم الصمود الفلسطيني ويواجه محاولات التغيير الديموغرافي والجغرافي في المدينة المقدسة.
وعلى الرغم من تحفظها المعتاد بشأن حياتها الشخصية، إلا أن مولالي اختارت أن تكون رحلتها الحالية 'حجاً مشتركاً للصلاة والتضامن'. وتعتبر هذه الرحلة رسالة واضحة للمجتمع الدولي حول ضرورة الالتفات لمعاناة الشعب الفلسطيني ووقف الانتهاكات المستمرة بحق مقدساته وأراضيه.
وكانت رئيسة الأساقفة قد انخرطت سابقاً في نقاشات مع الحكومة البريطانية، بما في ذلك لقاء مع رئيس الوزراء كير ستارمر، لبحث قضايا التماسك الاجتماعي ومواجهة خطاب الكراهية. وتؤكد في كل محفل على ضرورة حماية المجتمعات الدينية من الاعتداءات، سواء كانت في المملكة المتحدة أو في الأراضي المقدسة.
وتعكس هذه الزيارة تحولاً ملموساً في نبرة القيادات الدينية البريطانية تجاه الصراع، حيث باتت المصطلحات أكثر دقة في وصف معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال. ويُنظر إلى تعهدات مولالي في بيرزيت كخطوة متقدمة في مسار الضغط الكنسي الدولي لوقف الممارسات القمعية الإسرائيلية.
ختاماً، تظل رحلة رئيسة أساقفة كانتربري محطة هامة في توثيق الانتهاكات عبر شهادات دينية رفيعة المستوى، مما يعزز الرواية الفلسطينية في الأوساط الغربية. وسيكون لنتائج هذه الزيارة صدى واسع في أروقة الكنيسة الأنجليكانية التي بدأت تأخذ دوراً أكثر حزماً في الدفاع عن حقوق الإنسان في فلسطين.





Share your opinion
رئيسة أساقفة كانتربري تتعهد من بيرزيت بدعم حرية الفلسطينيين وإنهاء معاناتهم