سعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ النصف الثاني من عام 2024 إلى استراتيجية جديدة تهدف لنشر الفوضى وتفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني من الداخل، عبر تجنيد مجموعات مسلحة من الغزيين للعمل كأدوات ميدانية. ووفقاً لشهادات حصلت عليها مصادر صحفية، فإن هذه الميليشيات بدأت بالظهور الفعلي في مدينة رفح جنوبي القطاع عقب الاجتياح البري في يونيو 2024، حيث أوكلت إليها مهام قذرة تخدم أهداف الاحتلال.
تولت هذه المجموعات المسلحة تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية التي شملت الخطف والاغتيال، واستهدفت بشكل مباشر قادة في المقاومة وكوادر طبية وصحفيين فلسطينيين. وتكشف المعلومات أن الاحتلال اعتمد في بناء هذه الميليشيات على أسلوب الخداع، عبر تقديم وعود كاذبة بحياة رغيدة ومزايا اقتصادية تختلف عن الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان القطاع الرازحون تحت الحصار.
يرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن الاحتلال لا يوفر حياة كريمة للمتعاونين معه، بل يستغل حاجتهم الماسة للغذاء والدواء لابتزازهم وتجنيدهم في صفوفه. وبالرغم من أن سياسة الابتزاز ليست جديدة في تاريخ الاحتلال، إلا أن التطور الخطير يكمن في تحويل هؤلاء العملاء إلى ميليشيات مسلحة منظمة تعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي نيابة عن الجيش الإسرائيلي.
تتبنى إسرائيل ازدواجية واضحة في التعامل مع السلاح داخل غزة، فبينما تطالب بنزع سلاح فصائل المقاومة، توفر الغطاء العسكري واللوجستي الكامل لهذه الميليشيات لضمان استمرار نشاطها. وتعمل هذه المجموعات كبديل ميداني يغني الاحتلال عن الزج بجنوده في عمق المناطق المكتظة، خاصة في ظل تفاهمات وقف إطلاق النار أو الضغوط الميدانية التي يواجهها الجيش.
تعتبر عمليات القتل والاختطاف ونشر الفوضى التي تمارسها هذه المجموعات جزءاً لا يتجزأ من سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها إسرائيل ضد الغزيين منذ السابع من أكتوبر 2023. ويؤكد محللون أن التواجد العسكري المباشر للاحتلال داخل القطاع سهل عملية التواصل مع هذه العناصر وتكليفها بمهام استخباراتية وعملياتية كانت صعبة التنفيذ في سنوات ما قبل الحرب.
تضم هذه الميليشيات في صفوفها عناصر من الخارجين عن القانون ولصوصاً ومطلوبين سابقين للأجهزة الأمنية في غزة بتهم تتعلق بالعمالة أو الجرائم الجنائية. وغالباً ما تفر هذه العناصر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال خلف 'الخط الأصفر' فور انكشاف أمرها أو ملاحقتها من قبل الجهات المختصة في القطاع، مما يؤكد ارتباطها العضوي بمنظومة الاحتلال.
الاحتلال يسعى لنزع سلاح المقاومة لكنه يحمي سلاح هذه الميليشيات التي تعوض عدم قدرته على إرسال جنوده إلى عمق القطاع.
عمل الاحتلال بشكل منهجي على تمهيد الطريق لهذه المجموعات من خلال استهداف واغتيال قادة الشرطة الفلسطينية وجهاز الأمن الداخلي الذين كانوا يحاولون التصدي لظاهرة الفلتان. وكان الهدف من ضرب المنظومة الأمنية الرسمية هو خلق فراغ يسمح لهذه الميليشيات بالسيطرة على الشارع وتنفيذ أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تغيير الواقع الأمني بغزة.
رغم محاولات المقاومة والجهات القبلية التعامل مع بعض هؤلاء العناصر عبر الروابط العائلية والمجتمعية، إلا أن الغطاء الجوي والبري الذي يوفره الاحتلال حال دون القضاء على غالبيتها. وتتحرك هذه المجموعات بالتنسيق مع آليات الاحتلال في بعض المناطق، وتشارك بفعالية في البحث عن أنفاق المقاومة وجمع المعلومات الاستخباراتية الحساسة عن تحركات المقاتلين.
تشير المعلومات المسربة إلى أن هذه الميليشيات تدار من قبل ضابط في مخابرات الاحتلال يدعى 'عمران'، وهو المسؤول المباشر عن إصدار التعليمات لقادة المجموعات وتنسيق تحركاتهم. وقد بدأت هذه المجموعات نشاطها العلني عبر السطو المسلح على شاحنات المساعدات الإنسانية، قبل أن تتطور إلى هيكلية أكثر تنظيماً وانتشاراً في مختلف محافظات القطاع.
في يوليو 2024، برز اسم 'ياسر أبو شباب' كقائد لإحدى أكثر هذه المجموعات تنظيماً في رفح، وبعد مقتله في ديسمبر 2025، انتقلت القيادة إلى 'غسان الدهيني'. ومن رفح، تمدد نفوذ هذه الميليشيات ليصل إلى خان يونس تحت قيادة 'حسام الأسطل'، الذي عمل على تجنيد عناصر جديدة وتوسيع نطاق العمليات التخريبية في المنطقة الجنوبية.
لم تقتصر هذه الظاهرة على الجنوب، بل امتدت إلى المحافظة الوسطى بقيادة 'أحمد أبو نصيرة' المعروف بلقب 'شوقي أبو نصيرة'، وصولاً إلى مدينة غزة التي يقود الميليشيا فيها 'رامي حلس'. وفي شمال القطاع، يتولى 'أشرف المنسي' قيادة المجموعات التابعة للاحتلال، مما يشير إلى وجود شبكة متكاملة تغطي كافة الجغرافيا الغزية بتوجيه إسرائيلي مباشر.
إن استمرار نشاط هذه الميليشيات يمثل تحدياً أمنياً واجتماعياً كبيراً للفلسطينيين، حيث يسعى الاحتلال من خلالها إلى خلق 'إدارة مدنية' بصبغة عسكرية موالية له. وتظل هذه المجموعات أداة بيد المخابرات الإسرائيلية لضرب الجبهة الداخلية، مستغلة حالة الإنهاك التي خلفها العدوان المستمر والحصار الخانق على سكان قطاع غزة.





Share your opinion
كشف مخطط الاحتلال لتشكيل ميليشيات مسلحة في غزة: هيكلية الفوضى وأسماء القادة