لم يكن قراري باختيار فيتنام والسفر إليها للدراسة عام 1980 محض صدفة، بل كان امتداداً لرحلة بدأت في طفولتي المبكرة، عندما كنت في الثانية عشرة من عمري أعيش في بلدة فلسطينية نائية، اشتهرت بكثرة المناضلين والثوريين، وتقع بالقرب من مدينة محافظة اجتماعياً مقارنة بغيرها من المدن الفلسطينية. في تلك السنوات، كانت الصحف الورقية نافذتي إلى العالم. كنت ألتهم أخبارها بشغف، وأتابع ما يجري خارج حدود قريتي الصغيرة. وكانت فيتنام آنذاك تحتل العناوين الرئيسية للصحف، خصوصاً عشية انطلاق مفاوضات باريس عام 1972. ومن أجل تحسين مواقعهم على طاولة التفاوض، صعّدت الأطراف المتحاربة عملياتها العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، فتعرضت الأحياء السكنية والمنشآت المدنية للقصف، وارتُكبت جرائم مروعة بحق المدنيين، فيما كانت الصور القادمة من هناك تملأ صفحات الجرائد. وجدت نفسي، وأنا الفتى الفلسطيني الصغير، في خندق أولئك الذين يدافعون عن أرضهم وشعبهم وحريتهم ووحدة أراضيهم. ومنذ ذلك الوقت بدأت أبحث عن كل ما يتوافر من كتب ومراجع عن فيتنام في مكتبة خالي المتواضعة. وهناك، وقعت عيناي على اسم رجل سيترك أثراً عميقاً في وجداني: الجنرال فو نغوين جياب، القائد العسكري الفذ الذي قاد الانتصار الفيتنامي التاريخي في معركة ديين بيان فو، وأصبح رمزاً للتحرر الوطني في العالم.
لم يكن الجنرال جياب قائداً عسكرياً عادياً، بل كان ظاهرة استثنائية في تاريخ القرن العشرين. فهو المعلم الذي تحول إلى قائد عسكري من دون أن يتلقّى تعليماً عسكرياً نظامياً، والاستراتيجي الذي هزم قوتين عظميين، فرنسا ثم الولايات المتحدة، وأثبت أن إرادة الشعوب قادرة على الانتصار على التفوق العسكري. وقد امتاز برؤية بعيدة المدى، وصبر استراتيجي نادر، وقدرة استثنائية على الجمع بين العمل العسكري والبعد السياسي والوطني. لكن ما شدني إليه أكثر من انتصاراته العسكرية هو إنسانيته وتواضعه. فقد بقي قريباً من الناس، متواضعاً في حياته، مؤمناً بأن الشعب هو صانع الانتصار الحقيقي. وكان يحظى باحترام الفيتناميين ومحبتهم، ليس فقط لأنه قاد معارك الاستقلال، بل لأنه جسّد قيم التضحية والوفاء والالتزام بقضايا شعبه.
مرت السنوات، وقادتني الأقدار إلى فيتنام نفسها. وخلال فترة عملي نائباً لرئيس بعثة سفارة دولة فلسطين في هانوي، بين منتصف عام 1989 ومنتصف عام 1992، أتاحت لي الزيارات المتكررة للرئيس الراحل ياسر عرفات إلى فيتنام فرصة نادرة للقاء الجنرال جياب عن قرب. كنت أتوقع أن أرى قائداً عسكرياً مهيباً تسبقه الألقاب والأوسمة، لكنني وجدت أمامي رجلاً مختلفاً تماماً؛ شخصية متواضعة وبسيطة، تتحدث بهدوء الواثقين وتتصرف بتلقائية الكبار. لم يكن الجنرال بحاجة إلى استعراض تاريخه، فالتاريخ نفسه كان حاضراً في هيبته وفي كلماته القليلة. كان يصغي أكثر مما يتحدث، ويبتسم بتواضع من يدرك أن المجد الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. ومنذ ذلك اللقاء، لم يزدد في نفسي إلا احتراماً وتقديراً، حتى أصبح الجنرال جياب جزءاً دائماً من أحاديثي وذكرياتي، ولا سيما عندما عدت إلى فيتنام سفيراً لدولة فلسطين. وكنت أجد في سيرته نموذجاً لقائد تحرري آمن بأن استقلال الأوطان لا يتحقق إلا بالإرادة والصمود ووحدة الشعب.
وعندما وافته المنية في الرابع من تشرين اول عام ٢٠١٣ عن عمر ناهز العامين بعد المائة، كنت أقضي إجازة مع أولادي خارج فيتنام. وما إن وصلني الخبر حتى قررت العودة فوراً إلى هانوي للمشاركة في مراسم الوداع الرسمية لرجل كنت أعدّه واحداً من كبار قادة التحرر في العالم. هناك، التقيت أسرة الجنرال، وقطعت أمامهم عهداً بأن أُسهم في تعريف القارئ العربي بهذه الشخصية الاستثنائية، وأن أترجم بعض ما كُتب عنه. وكان من ثمار ذلك العهد أن قمت بترجمة كتاب «ديين بيان فو… خمس عجائب لا مثيل لها في تاريخ الحروب»، وهي واحدة من أوائل الترجمات المباشرة من اللغة الفيتنامية إلى اللغة العربية، في محاولة متواضعة لنقل جزء من التجربة الفيتنامية الملهمة إلى القارئ العربي.
واليوم، وأنا على وشك إنهاء حقبة مهمة من حياتي، بعد اثنين وأربعين عاماً من العمل والنضال الدبلوماسي، مررت خلالها بظروف قاسية، لا سيما في المراحل المبكرة من مسيرتي، أجد نفسي أمام لحظة ذات دلالة خاصة. فقد حظيت بتكليف وتكريم من الرئيس محمود عباس بمنحي شرف تسليم الوشاح الأكبر – نجمة فلسطين من وسام دولة فلسطين إلى أسرة الجنرال فو نغوين جياب. لقد بدت لي هذه اللحظة وكأنها اكتمال لدائرة بدأت قبل أكثر من نصف قرن، عندما كان فتى فلسطيني صغير يتصفح الصحف بشغف ويتابع أخبار حرب بعيدة في فيتنام، ثم انتهت به الرحلة سفيراً لفلسطين في هانوي، حاملاً وسام بلاده إلى أسرة الرجل الذي ألهمه منذ الصغر. في حضرة الجنرال، أدركت أن بعض الشخصيات لا تصنع تاريخ أوطانها فحسب، بل تترك بصمتها في حياة الآخرين أيضاً. فالجنرال فو نغوين جياب لم يكن مجرد قائد انتصر في الحروب، بل كان مدرسة في الوطنية والتواضع والإيمان بقوة الشعوب. ولذلك سأظل أكن له، وللشعب الفيتنامي الصديق، كل التقدير والاحترام والوفاء.
==============================
لم يكن الجنرال جياب قائداً عسكرياً عادياً، بل كان ظاهرة استثنائية في تاريخ القرن العشرين. فهو المعلم الذي تحول إلى قائد عسكري من دون أن يتلقّى تعليماً عسكرياً نظامياً، والاستراتيجي الذي هزم قوتين عظميين، فرنسا ثم الولايات المتحدة
Mon 22 Jun 2026 11:14 am - Jerusalem Time





Share your opinion
في حضرة الجنرال جياب!