أقف أحيانا في ساحة المدرسة، أراقب طالبين في الصف ذاته، يدرسان المنهج نفسه، ويجلسان أمام المعلم ذاته. أحدهما يتقدم بخطى واثقة، يلتهم المعرفة وكأنها لغته الأم، بينما يتعثر الآخر عند كل منعطف، يجرّ حقيبته وكأنها محملة بالحجارة. في الظاهر، المدرسة عادلة فقد منحت كليهما نفس الوقت ونفس المقعد. لكن في العمق، هناك حقيقة قاسية نتجاهلها غالبا وهي أنهما لم يبدأا السباق من نفس الخط. أحدهما يعود إلى بيت تملؤه الكتب، وحوارات دافئة على مائدة العشاء، وأم تسأله بشغف عن تفاصيل يومه. والآخر يعود إلى صمت ثقيل، أو شجار لا ينتهي، أو غياب يبتلع كل محاولة للنجاح. ليس لأن الأول أذكى، بل لأنه يحمل في ظهره (حقيبة غير مرئية) مليئة بمزايا لم يخترها، ولم يتعب في تحصيلها.
هذه الفكرة التي نتجاهلها في الغالب هي ما يطرحه كتاب (الميزة غير العادلة) للمؤلفين آش علي وحسن كبّة. الكتاب يفكك واحدة من أكثر الأساطير رسوخا في عالمنا المعاصر أسطورة أن العمل الجاد وحده يكفي للوصول إلى القمة. لا يقلل الكاتبان من قيمة الاجتهاد، بل يضعانه في سياقه الحقيقي. النجاح ليس معادلة رياضية بسيطة، بل هو نسيج معقد يتأثر بعوامل لا تتوزع بالتساوي بين البشر. البيئة التي ننشأ فيها، شبكة العلاقات التي نرثها، اللغة التي نتحدثها في المنزل، الاستقرار النفسي، وحتى الموقع الجغرافي كلها عوامل تمنح بعض الأشخاص أفضلية تنافسية صامتة. الاجتهاد مهم، نعم، لكنه لا يفسر كل شيء. هناك من يركض في مضمار ممهد، وهناك من يركض في حقل ألغام، ثم نأتي نحن لنقارن بين سرعتيهما.
وإذا سلمنا بأن الناس لا يبدأون من نفس النقطة، فإننا نصل إلى استنتاج مؤلم كل مقارنة نجريها بينهم هي، بطبيعتها، مقارنة ظالمة. نحن نمارس هذا الظلم يوميا بوعي أو بدون وعي. في البيت تقف الأم لتقارن ابنها بابن الجيران أو بأخيه الأكبر متسائلة بحسرة (لماذا لا تكون مثل فلان؟) هذا التساؤل الذي يبدو بريئا ودافعا للتحفيز يتجاهل تماما أن ( فلاناً) يملك ظروفا مختلفة وتركيبة نفسية مغايرة، ومزايا خفية لا تراها العين. وفي المدرسة يقع المعلم في الفخ ذاته حين يقارن بين الطلاب بناءا على درجات الاختبار فقط. يتناسى أن طالبا يراجع دروسه في غرفة هادئة ومكيفة، بينما يحاول آخر التركيز في غرفة يشاركه فيها أربعة إخوة وسط ضجيج لا يهدأ. المقارنة هنا لا تقيس الذكاء أو الجهد، بل تقيس الامتياز.
حتى في المجتمع الأوسع، نقع ضحية لهذه المقارنات غير العادلة. ننظر إلى شاب ( ناجح ) وآخر (متعثر) ونطلق أحكامنا القاطعة دون أن نسأل من أين بدأ كل منهما؟ ما هي الشبكة الاجتماعية التي أسندت الأول حين سقط؟ وما هي الأبواب التي فتحت له لمجرد أنه يحمل اسم عائلة معينة أو تخرج من مدرسة محددة؟ الأسوأ من ذلك كله هو حين يمارس الإنسان هذا الظلم على نفسه. يقارن إنجازاته بإنجازات الآخرين فيشعر بالنقص والدونية لأنه يرى نجاحهم الظاهر لكنه يعمى عن المزايا غير المرئية التي مهدت لهم الطريق. الخلاصة هنا واضحة المقارنة العادلة الوحيدة هي أن تقارن الإنسان بنفسه أين كان بالأمس، وأين أصبح اليوم. كل مقارنة أخرى تتجاهل (الميزة غير العادلة ) هي محض عبث.
هنا يبرز دور الإدارة التربوية الواعية. المدرسة التقليدية تفترض المساواة المطلقة، وتتعامل مع الطلاب وكأنهم قوالب متطابقة. لكن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو علمنا أن ما يسميه (رأس المال الثقافي) يلعب دورا حاسما في التفوق. اللغة التي تستخدم في المنزل طريقة التفكير كلها أشكال من رأس المال الذي تصرفه المدرسة كعملة مقبولة للنجاح. الإدارة التربوية الذكية هي تلك التي تعترف بهذا التفاوت بدلا من تجاهله. هي التي تتوقف عن ترتيب الطلاب في سلم تنافسي واحد وكأنهم يتسابقون في المضمار ذاته.
كيف يمكن للمدير والمعلم أن يكسرا هذه الدائرة؟ ليس بإلغاء الفروق فهذا مستحيل بل بخلق بيئة مدرسية تمنح الطالب المحروم ما لا يجده في بيته. المدرسة يجب أن تكون المكان الذي تُصنع فيه ( مزايا بديلة ) الاهتمام الشخصي التحفيز المستمر توفير مساحات هادئة للدراسة وتقديم نماذج إيجابية كلها أدوات تعويضية. التعليم المتمايز ليس مجرد مصطلح أكاديمي بل هو ضرورة إنسانية تراعي نقاط البداية المختلفة. على المدرسة أن تمنح كل طالب مرآة تعكس نموه الشخصي لا موقعه مقارنة بزميله الذي يسبقه بخطوات لم يتعب في مشيها.
ولا يمكننا الحديث عن الميزة غير العادلة دون التوقف عند دور الأسرة. الأب والأم هما الصانعان الأولان لهذه المزايا. الحوار اليومي, القراءة قبل النوم, الاستقرار العاطفي, والشعور بالأمان كلها مزايا يصنعها الأهل دون أن يدركوا قيمتها الحقيقية. التنشئة الواعية هي أقوى ميزة يمكن أن يمنحها الأهل لأطفالهم. لكن في الوقت ذاته يجب على الأهل أن يتوقفوا عن ممارسة المقارنة الظالمة. التنشئة الحقيقية تعني أن تتوقف عن النظر إلى أبناء الآخرين وتبدأ بسؤال نفسك ما هي الميزة الفريدة التي يملكها طفلي ولم أكتشفها بعد؟ كيف يمكنني أن أستثمر في نقاط قوته بدلا من معاقبته على نقاط ضعفه؟
في النهاية أعود بذاكرتي إلى ساحة المدرسة وإلى الطالبين اللذين يركضان في مسارين مختلفين. ربما لا نستطيع كتربويين وآباء أن نجعل الجميع يبدأون من نفس الخط. الحياة ليست عادلة ولن تكون كذلك أبداً. لكن ما نستطيع فعله حقا هو أن نتوقف عن محاسبتهم وكأنهم بدأوا من النقطة ذاتها. نستطيع أن نكف عن المقارنات التي تكسر الروح وأن نبدأ بالاحتفاء بكل خطوة يخطوها الطالب للأمام مهما كانت صغيرة. العدل الحقيقي لا يكمن في مساواة النتائج بل في فهم البدايات وفي منح كل طفل سببا ليؤمن بأن الوصول ممكن حتى وإن كان طريقه أطول وأكثر وعورة.
Mon 22 Jun 2026 11:09 am - Jerusalem Time





Share your opinion
ميزتك التي لا تعرفها .. لماذا لا يبدأ أطفالنا من نفس الخط؟