زار وزير الداخلية الأردني العميد المتقاعد مازن الفراية جسر الملك حسين، وهو الممر الوحيد الذي يربطنا- نحن الفلسطينيين- بنصفنا الآخر في الأردن وبالعالم أيضاً، وفي زيارة مرتبة ومحضر لها مسبقاً بشكل جيد، لم يجد معالي الوزير سوى وصف يليق بواقع المكان، فقال بالحرف ان "الوضع زبالة" ضاربا كفا بآخر، ليعبر عن فداحة ما راه بأم عينه وهو جزء يسير مما يعانيه المسافرون الفلسطينيون حصراً هناك، وبشكل يومي تقريبا.
بالنسبة لنا، فهذا ليس اكتشافاً ولا سبقاً صحفياً، فنحن، ولكل فلسطيني، كبيرا او صغيراً، رجلاً أو امرأة، هو معلوم بالضرورة، معلوم لكل من كان ينتظر الساعات الطوال تحت اشعة الشمس الحارقة صيفا، تلسعه الحشرات، او في برد الشتاء القارس، أو تحمل الإهانة والتأخير، والظروف غير الانسانية في كل مرة كان يضطر فيها للعبور غربا على نحو خاص.
سبق أن شهدنا عديد الزيارات الرسمية لوزراء ومسؤولين من الجانبين، وعلى مدار سنوات طويلة، وفي كل مرة كانت تصدر وعود بالتحسين والتطوير، لتتبخر تماماً بمجرد مغادرة الوفود الرسمية ساحة المعبر، أو لم يلمس أثرها المسافرون على الأقل.
وصف "الزبالة" الذي أطلقه معالي الوزير اليوم لم يكن صدمة لنا، فقد كنا على علم بذلك، بل كان هذا اعترافاً صارخاً بسنوات من التقصير، وإدانة لكل مسؤول شهد وشاهد عذاباتنا واكتفى بوعود لم تر النور قط.
هذا المشهد يطرح تساؤلات مشروعة ومؤلمة، فإذا كان هذا هو الحال والوصف المُعَبِّر عن حال المَعْبَر إثر زيارة مرتبة مسبقاً، وعلى مرأى من الكاميرات والصحافة، فكيف كانت ستبدو الصورة في يوم عادي جداً، وبعيداً عن الكاميرات وبروتوكولات الاستقبال؟
أو ماذا لو كانت الزيارة مفاجئة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أي دون تنسيق مسبق؟ وماذا لو كانت الزيارة مرتبة الى مرفق آخر، كمطار الملكة علياء الدولي مثلا، وخلص الوزير بنهاية زيارته الى نفس الخلاصة، هل كان سيبقى أحد من القائمين على إدارة المطار في موقعه؟
إن المَعْبَر بالنسبة للفلسطينيين عموما، وفي الضفة الغربية على وجه الخصوص، ليس مجرد "منشأة" أو نقطة عبور؛ بل هو شريان الحياة الوحيد وبوابتهم الى العالم، وهو أيضاً مكان تُنتهك فيه كرامتهم يوميا، بقصد او بدون، بفعل الإهمال والتقصير، او تركهم لقمة سائغة للسماسرة.
نحن لا نحتاج إلى تصريحات تطلق بنهاية جولات معدة سلفا، ولا نحتاج الى اعترافات رسمية بالواقع الذي نحفظ تفاصيله المؤلمة عن ظهر قلب، بل نحن نحتاج إلى قرار حقيقي ومحاسبة فعلية لكل مقصر جعل من رحلة سفرنا "رحلة عذاب" لا ينتهي.
نقولها بصوت عال جدا، كفى استعراضا اعلاميا، وكفى وعوداً أكل عليها الدهر وشرب، فنحن لا نبحث عن كلمات تقال للاستهلاك الاعلامي، بل عن كرامة مهدورة في أروقة هذا المعبر، فحماية كرامة المسافر هي المقياس الحقيقي لنجاح أي إصلاحات، إما أن تحترم كرامتنا، أو ستبقى هذه الاعترافات مجرد حبر على ورق، تماماً ككل الوعود التي سبقتها، ولم نلمس منها إلا مزيداً من الانتظار والمرارة.
Mon 22 Jun 2026 11:07 am - Jerusalem Time





Share your opinion
"الوضع زبالة": اعتراف بوجعنا ولكن...!