Sun 21 Jun 2026 3:22 am - Jerusalem Time

اختبارات فوق الركام.. طلبة غزة يواجهون امتحانات الثانوية العامة في المقاهي والخيام

يستعد عشرات الآلاف من طلبة الثانوية العامة في فلسطين لخوض غمار الامتحانات النهائية، في ظل ظروف استثنائية تفرضها تداعيات العدوان المستمر، حيث يواجه طلبة قطاع غزة واقعاً مريراً يجبرهم على البحث عن قاعات امتحانات افتراضية داخل المقاهي والخيام. وتغيب عن هؤلاء الطلبة أرقام الجلوس التقليدية وعناوين المدارس المعروفة، ليحل محلها التوتر والبحث عن إشارة إنترنت مستقرة ومصدر للتيار الكهربائي لضمان تقديم اختباراتهم عبر النظام الإلكتروني.

وتجسد الطالبة سوار محمد، النازحة في دير البلح، مأساة جيل كامل لم يطأ عتبات المدارس النظامية منذ ثلاث سنوات. فبعد تدمير منزلها في مدينة غزة، باتت الخيمة هي مكان دراستها الوحيد، حيث تفتقر لأدنى مقومات الهدوء والخصوصية في ظل التحليق المكثف للطائرات المسيرة التي لا تغادر السماء، مما يضع أعصاب الطلبة في حالة استنفار دائم قبل ساعات من بدء الاختبارات المصيرية.

وفي بلدة الزوايدة، تعيش الطالبة تالا عفانة صراعاً يومياً مع الضجيج والانفجارات التي تحرمها من التركيز ليلاً. تالا التي فقدت والدها ومنزلها في بداية الحرب، تصر على مواصلة تعليمها رغم اضطرارها للمشي مسافات طويلة تصل إلى 6 كيلومترات يومياً للوصول إلى مراكز تعليمية بدائية، محاولةً الحفاظ على تفوقها الأكاديمي الذي عُرفت به قبل اندلاع المواجهات.

أما الطالب عبد الله نور، فيعبر عن قلقه من العوائق التقنية التي قد تطيح بجهد سنوات من التعليم الذاتي. عبد الله الذي نزح من حي الشجاعية بعد تدمير منزله، اضطر لطباعة المواد التعليمية على نفقته الخاصة والاعتماد الكلي على هاتفه المحمول، وهو يخشى الآن من انقطاع مفاجئ للإنترنت في منتصف العملية الاختبارية، مما قد يهدد مستقبله الجامعي.

وفي مقابل الإصرار، تبرز قصص الانكسار والقهر، حيث قرر الطالب حمزة أبو بيض عدم التقدم للامتحانات هذا العام لشعوره بعدم الجاهزية. حمزة الذي استبدل مقاعد الدراسة بمهام شاقة لتأمين المياه والحطب لعائلته، يرى أن ظروف النزوح والعمل القسري في المخابز قد سلبت منه حقه في التعليم وجعلت من المذاكرة ترفاً لا يملكه.

من جانبها، أكدت وزارة التربية والتعليم العالي استكمال كافة الترتيبات لعقد الامتحانات، موضحاً أن عدد المتقدمين الإجمالي بلغ نحو 91 ألف طالب وطالبة. وأشارت الوزارة إلى أن الامتحانات ستجرى وجاهياً في الضفة الغربية، بينما فرضت الظروف الميدانية في قطاع غزة اعتماد النظام الإلكتروني بالكامل للفترة الممتدة من 20 إلى 29 يونيو الجاري.

وأفادت مصادر رسمية بأن الوزارة أجرت اختبارات تجريبية لمحاكاة النظام الإلكتروني في غزة لضمان معالجة المشكلات الفنية قبل الانطلاق الرسمي. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر متمثلاً في قدرة الطلبة على الوصول إلى شبكة الإنترنت في ظل التدمير الواسع للبنية التحتية والاعتماد الكلي على المبادرات الشخصية والمقاهي العامة لتوفير الربط الشبكي.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن الوزارة إلى حجم الكارثة التي حلت بقطاع التعليم، حيث ارتقى أكثر من 21 ألف شهيد من الطلبة والكوادر التعليمية منذ أكتوبر 2023. هذه الأرقام تعكس فداحة الخسائر البشرية التي طالت جيل الثانوية العامة، حيث تشير التقديرات إلى استشهاد نحو 4 آلاف طالب كان من المفترض أن يكونوا اليوم على مقاعد الاختبارات.

وفي الضفة الغربية، تستمر الامتحانات حتى الثامن من يوليو المقبل داخل القاعات الدراسية المعتادة، مع توفير طواقم تقنية لمساندة الطلبة. ورغم الاستقرار النسبي مقارنة بغزة، إلا أن الاحتلال حرم 65 طالباً من التقدم للامتحانات بسبب استمرار اعتقالهم في السجون، مما يضيف بعداً آخر لمعاناة الطلبة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

ويعتمد الطلبة في غزة بشكل كلي على ملفات "PDF" والمواد الرقمية المخزنة على هواتفهم، في ظل غياب الكتب المدرسية الورقية والدفاتر. هذا التحول القسري نحو التعليم الرقمي لم يكن خياراً، بل ضرورة فرضها الحصار وتدمير المطابع والمخازن التعليمية، مما جعل من شحن الهاتف المحمول مهمة يومية شاقة تسبق المذاكرة.

وتستذكر العائلات المكلومة في غزة أبناءها الذين رحلوا قبل تحقيق أحلامهم الأكاديمية، مثل الطالب المتفوق عمر نور الذي استشهد وهو يدرس عبر جواله. هذه القصص تضفي صبغة من الحزن على أجواء الامتحانات، حيث يتقدم الناجون وهم يحملون وصايا زملائهم الذين ارتقوا تحت الركام، محاولين انتزاع النجاح من قلب المأساة.

وتؤكد مصادر تعليمية أن نجاح هذه الدورة من الامتحانات في غزة يمثل تحدياً للسياسات التي استهدفت تجهيل الجيل الفلسطيني وتدمير مستقبله. فرغم غياب الرعاية المؤسسية المباشرة داخل القطاع، إلا أن الإرادة الفردية للطلبة وعائلاتهم تظل المحرك الأساسي لاستمرار العملية التعليمية بأي ثمن، حتى لو كان ذلك من داخل خيمة نزوح.

ويبقى القلق من "المطبات التقنية" هو الهاجس الأكبر الذي يلاحق المتقدمين في غزة، حيث أن أي خلل في الخوادم أو انقطاع في التغطية قد يعني ضياع عام دراسي كامل. وتناشد العائلات الجهات الدولية بضرورة توفير حماية للمرافق التي تقدم خدمات الإنترنت للطلبة خلال هذه الفترة الحساسة لضمان سير الامتحانات دون عوائق.

إن مشهد الطلبة وهم يفترشون الأرض في المقاهي والخيام حاملين هواتفهم لأداء امتحانات مصيرية، سيبقى شاهداً على مرحلة تاريخية قاسية من حياة الشعب الفلسطيني. هي معركة وعي وبقاء يخوضها جيل الثانوية العامة في غزة، مؤكدين أن الرغبة في التعلم تتجاوز حدود الهدم والنزوح والقتل الممنهج.

Tags

Share your opinion

اختبارات فوق الركام.. طلبة غزة يواجهون امتحانات الثانوية العامة في المقاهي والخيام

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.