اعتبرت قراءات تحليلية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخوض مقامرة كبرى في اتفاقه الأخير مع طهران، مراهناً على حاجة النظام الإيراني الماسة للسيولة النقدية لإنهاء حالة الحرب. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن مذكرة التفاهم الموقعة تمثل تلويحاً بـ 'الجزرة' المالية دون وجود 'عصا' حقيقية تضمن الالتزام، مما يطرح تساؤلات حول قدرة المال على تحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية.
ووقّع ترامب ونظيره الإيراني مذكرة سلام مقتضبة بعد أسابيع من المفاوضات المكثفة، تهدف إلى وضع حد للنزاع المسلح الذي استنزف الطرفين. وتنص المذكرة على تقديم تدفقات مالية ضخمة لإيران، شريطة تقديم ضمانات مقنعة لواشنطن بالتخلي الكامل عن أي طموحات لامتلاك سلاح نووي في المستقبل القريب.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تتخلى عن أهداف استراتيجية طالما نادى بها البيت الأبيض، حيث لم يتطرق الاتفاق إلى تغيير النظام أو دعم الحراك الداخلي. كما خلت المذكرة من أي قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو تقليص نفوذ طهران ودعمها للفصائل المسلحة في دول الجوار.
ويركز الاتفاق في شقه الميداني على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو الملف الذي شهد تراجعاً أمريكياً واضحاً بعد فترة من التوتر العسكري. وبموجب التفاهمات، قد تضطر السفن التجارية لدفع رسوم مرور بعد انقضاء مهلة الستين يوماً، مما يمنح طهران نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً جديداً على الممر المائي العالمي.
أما في الملف النووي، فلم يقدم النظام الإيراني تنازلات جوهرية تتجاوز الوعود القديمة بعدم السعي لامتلاك القنبلة، مع الاكتفاء بخفض نسب تخصيب اليورانيوم. وتظل القضايا الفنية معقدة للغاية، وسط مخاوف من قدرة طهران على المماطلة واستغلال الوقت لتعزيز موقفها التفاوضي بينما تحصل على المكاسب المالية.
وتشمل الحوافز المالية المقدمة لإيران السماح لها بتصدير النفط ومشتقاته بشكل فوري دون قيود، مما ينعش اقتصادها المتهالك. كما تعهدت واشنطن بالإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من الأصول المجمدة، والمساهمة في تأسيس صندوق دولي لإعادة الإعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
هل ينجح ترامب بالخروج بشيء ما من حربه مع إيران التي فشل في هزيمتها بالقنابل، ويريد تحقيقها هذه المرة عبر الرشاوى؟
ويأتي هذا التوجه في ظل رغبة ترامب الواضحة في إنهاء التورط العسكري الأمريكي، حيث من المقرر انسحاب القوات من المنطقة خلال 30 يوماً. هذا الانسحاب سيقلص من قدرة واشنطن على استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط، مما يجعل الاتفاق معتمداً بشكل كلي على الحوافز الاقتصادية ومدى استجابة طهران لها.
وفي المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه أمام فرصة تاريخية لمبادلة برنامجه النووي بالاستثمارات الأجنبية والسيولة التي يحتاجها لإرضاء الشارع الغاضب. وقد يرى القادة في طهران أن استخدام ورقة مضيق هرمز عسكرياً قد استنفد أغراضه، وأن الوقت قد حان لتحويله إلى مصدر دخل دائم لمواجهة الأزمات المعيشية الحادة.
ومع ذلك، تبرز شكوك عميقة حول نجاح هذه المقامرة، خاصة مع انعدام الثقة بين المتشددين في إيران والإدارات الأمريكية المتعاقبة. ويتوقع الجانب الإيراني أن تسعى أطراف إقليمية، وعلى رأسها تل أبيب، إلى تخريب الاتفاق، خاصة وأن النفوذ الإيراني يستمد شرعيته من العداء المستمر للاحتلال الإسرائيلي.
وفي سياق متصل، سادت حالة من خيبة الأمل في الأوساط السياسية الإسرائيلية التي دعمت الحرب في بدايتها، لتجد نفسها مستبعدة تماماً من طاولة المفاوضات. وقد أدى هذا الاستبعاد إلى تقويض الحملة العسكرية ضد حزب الله في لبنان، مما وضع الحكومة الإسرائيلية في مأزق سياسي وأمني غير مسبوق.
وقد ينعكس هذا الفشل الاستراتيجي على مستقبل بنيامين نتنياهو السياسي، حيث يواجه انتخابات مصيرية في تشرين الأول/أكتوبر المقبل وسط انتقادات حادة. فقد أثبتت التطورات أن المراهنة على الذهاب الأمريكي بعيداً في المواجهة العسكرية لم تكن كافية لتحقيق انتصار حاسم لدولة الاحتلال، مما يستدعي صياغة عقيدة أمنية جديدة.
أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام تحدي استعادة مكانتها كمراكز استقرار في منطقة مضطربة، رغم استمرار تهديد المسيرات والصواريخ الإيرانية. وبينما تسعى بعض الدول لتوثيق تحالفاتها الأمنية لمواجهة هذا الواقع، تحاول دول أخرى انتهاج سياسة توازنية بين واشنطن وطهران لضمان أمنها القومي في ظل الضبابية الأمريكية.





Share your opinion
مقامرة ترامب المالية: هل ينهي المال صراع واشنطن وطهران؟