لا يخفى على أحد أن المجتمع الفلسطيني بات يعيش في ظل دوامات كثيرة، منها الذاتي ومنها الموضوعي، تتداخل مع بعضها البعض، ولعلّ الذاتي ناجم عن تراكم غياب الرؤية الواضحة في كيفية التعامل مع قضايانا اليومية، تاركين الأمر لأسلوب ردة الفعل وهو المتداول والمتبع من قبل صانعي القرار، الأمر الذي ينقلنا من ضرورة حل المشكلة الى نهج إدارتها، بدليل حالات الاضراب المتتالية التي تعلنها نقابات القطاعات المختلفة، مما يزيد الطين بلّة، لا سيما ونحن كحركة تحرر من المفروض أن نعمل سوياً لإحقاق الأمل المنشود.
أضف لذلك استشراء وزيادة نشاط فيروس الانقسامات البغيضة التي باتت شبه ظاهرة حتى وسط التيار السياسي الواحد، لا يعني ذلك أن لا نختلف، بل نختلف ونعمل من أجل إيجاد الحد الأدنى من التوافق بيننا، سواء في التيار الواحد أو الانقسام بين أكثر من تيارين (الانقسام بين حركة فتح وحماس والجهاد الإسلامي)، هذا النمط من الانقسام السياسي الذي بات شبه مقبول للجميع، دون العمل الجدّي للانعتاق من نتائجه المؤلمة أو على الأقل التخفيف من حدتها. ولأن الحديث يطول في الموضوع، وحتى لا أقع في شرك سوء الفهم من قبل البعض، أرى ضرورة قصر هذه الرؤية على القطاع التربوي التعليمي الذي أنتمي إليه منذ عقود خلت.
التقيته وهو يَهمّ للدخول الى دار الافتاء، ورأيته مُتجهّم الوجه، مهموماً على غير عادته، اعتقدت أنه لم يعتد بعد على منغصات الحياة اليومية (ضغوطات اقتصادية، سيكولوجية، مصادرة حرية الحركة و العبادة....)، واصل التأفف وترديد "لا حول ولا قوة الا بالله، لماذا وصلنا إلى هذا المستوى!!!، خدمنا في سلك التربية والتعليم قرابة 3 عقود ونيّف، وكنا نتقاضى رواتب زمن الاحتلال كموظفين و لم تكن تكفينا لسد احتياجاتنا، لدرجة كان الناس يعرفون طبيعة عملنا من نمط لباسنا، دون أن نغفل أو ننسى/ نتناسى ليوم أن التربية والتعليم هي رسالة تجمع كل قيم وقدسيّة الانسان قبل أن تكون مهنة، أو نجعل منها مطيّة للوصول الى منصب/ كرسي في نظر العض هو مرموق.
أضربنا، في عهد الاحتلال، ليس فقط احتجاجا على تدني الرواتب الشحيحة، بل ولنثبت للقاصي قبل الداني أننا جزء وامتداد للحراك الشعبي الوطني، علينا دور رئيس في المشاركة بالنضال لدحر الاحتلال وإنجاز الهدف الوطني المنشود، فتشكلت اللجان اللوائية تحت مظلة اللجنة العامة لمعلمي المدارس الحكومية والتي جمعت كل الطيف السياسي حتى أولئك غير المحسوبين على فصيل سياسي معين، وتشكلت نقابات المدارس الخاصة واتحاد معلمي وكالة الغوث ونقابات العاملين في الجامعات والمعاهد التعليمية، والتي جميعها اندمجت في اجتماع تم عقده في مجمع النقابات المهنية/ القدس عام 1983 تحت مظلة اتحاد العاملين في قطاعات التعليم، قبل أن تعود الحياة للمحاولة الثالثة لتشكيل الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين. حصل كل هذا كوننا أدركنا الخطر المحدّق بنا.
منذ بضع سنوات، ورغم الظروف الأصعب من تلك التي عشناها، حيث بدأنا بالبناء على ما أنجزته القيادة الفلسطينية، نحو التحرر والسيادة التامة، وها هو الجميع يدفع الثمن الباهظ (اقتصاديا وسياسيا) جراء ما يمارسه الاحتلال الجاثم على صدور الجميع، وهدفه الأساس تقويض السلطة الفلسطينية ومنع مواصلة إرساء أسس تشييد الهدف المنشود. للأسف، نرى تواصل حالات اضراب العاملين في السلك التربوي التعليمي دون الانتباه الى المخاطر ليس فقط التربوية والتعليمية التي ستنعكس على مجتمعنا قريبا (لنا في تجربة زجّ المدارس أيام الاضرابات خلال انتفاضة 1987) أو وضع البدائل الممكنة وبأقل خسارة دون الظهور كما لو لا سمح الله قد تخلى المعلم/ المعلمة عن دوره/ها المعهود في بناء الدولة العتيدة.
بدلا من ذلك، عمد بعض المسؤولين الى تقديم الرشاوى للطلبة وذويهم من خلال إعلان نتائج التوجيهي والمعدلات الخيالية، والكل يعيش ما يواكب العملية التربوية التعليمية من اضطرابات واضرابات (للمزيد حول ذلك، يمكن الرجوع الى وقائع الأيام الدراسية الخاصة التي عقدها مركز الدراسات والتطبيقات التربوية حول نتائج التوجيهي في العام 2020 -2021 تحت عنوان " نتائج الثانوية العامة بين الصدمة والنزعة للتغيير "- 26/8/2021 والسلوك الاحتجاجي في فلسطين المحتلة الديناميات الفردية والجماعية– 29/7/2021، و"دور المدرسة في تعزيز التكافل الاجتماعي 14/10/ 1994، "التعليم ضد الكراهية "2005 "دور القيم التربوية في الترابط والتكافل المجتمعي والنهوض الوطني"-2009 ، " مجالس أولياء الأمور- البناء الأهداف والتطلعات" وذلك بمشاركة ثلة من التربويين ونشطاء النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني من مختلف المشارب الفكرية".
نقف اليوم أمام خطوة ارتجالية غريبة ومستهجنة، جاءت محاولة لترويض حالات الاحتجاج والسيطرة عليها، تتمثل في اختزال دوام الهيئات التدريسية إلى 3 أيام، رغم إدراكنا المُسبق بأنه في ظل الواقع السياسي الذي نعيشه وما يتمخض عنه من مظاهر سلبية، أهمها في رأينا تدهور السلم الأهلي، ولما للتربية والتعليم من دور مهم في الحد من الانحدار الحاصل في القيم والأخلاق، نحن بحاجة الى أسبوع عمل كامل، لعدة أسباب، لعل أهمها: العمل الجاد لتعويض الطلبة عمّا فاتهم، ليس فقط من تحصيل أكاديمي، بل وتربوي، جراء أحداث عديدة وقعت في السابق. تشكّل المدرسة بيئة ناضجة لتفاعل الطلبة والهيئات التدريسية مع بعضهم البعض، الأمر الذي له انعكاسات إيجابية كثيرة، أهمها ضمان التفاعل الاجتماعي بين أهم مكونات المجتمع ككل والذي ينعكس على بقية الشرائح الاجتماعية.
سألت زميلي الذي استوقفني/ استوقفته لمدة طويلة، ماذا نحن بفاعلين ؟! أجاب لا بد من عمل مبادرات نوعية يتمكن المربي/ة من خلالها تذويت عمله/ها كرسالة وليست مجرد وظيفة يؤدي/ تؤدي فيها ساعات عمل مقابل تقاضي الراتب، تجسيداَ لمفهوم " الإنسان رسالة"، يتحول، بكل ما أوتي من علم ومعرفة وطاقة الى معول بناء لا معول هدم أو تحقيق ماّرب شخصية بل يعطي جلّ وقته وعلمه، ونبضه للمساهمة في عملية استنهاض مكونات المجتمع نحو المشاركة المسؤولة، تطبيقا لـ" ويل للمطففين".
لتكن الخطوة الأولى ضمان تطبيق الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، لما لهذا من دور في رفع منسوب الأمل والدافعية للعمل دون تطفيف " ويل للمطففين"، ناهيك عن الحد من دوام القلق والتوتر النفسي، مما يعزّز من جعل المعلم/ المعلمة أن يرى في المتعلم/ المتعلمة إنسانا ومخلوقا يستحق الرعاية والدعم، لا رقماً في حسابات الربح والخسارة.
للأسف الشديد، ومع التأكيد على احترامنا لكل من يعمل في سلك هذه الرسالة النبيلة، نشهد وجود من أساء ويسيء لهذه الرسالة، بانحرافهم عن مسارها الأخلاقي والرسالي، ليجعلوها تجارة مادية، يلهثون من خلالها وراء العائد المالي أو المنصب في المقام الأول؛ تعميم فكرة الجمعيات الاستهلاكية التعاونية وكذلك مشاريع الإسكان للمعلمين/ المعلمات كي يتحرروا من جشع الغالبية من التجار وأصحاب العقارات. العمل على تعزيز ثقافة والتربية الاستهلاكية، والتي تقوم على أساس نشتري ما نحتاج وليس ما نريد. العمل على تخصيص منحا/ مساعدات لأبناء وبنات العاملين في سلك التربية والتعليم، على الأقل في الجامعات الفلسطينية المحلية التي تتلقى دعما متفاوتا ومساعدات مختلفة الشكل من السلطة الفلسطينية وكذلك تأدية أحد الفرائض- الحج.
ختاما، لننتبه لما يجري في بعض مدارس القدس الخاصة والتي تشرف عليها جمعيات أو مؤسسات دينية، اذ يتم وبذريعة الحاجة الى تحسين الوضع الاقتصادي للعاملين، ارتفاع منسوب الهجرة للعمل في المدارس التي يديرها الطرف الاّخر وما يسبق ذلك من إضرابات وعمليات تشويش من شأنها الحق أذى بمجمل العملية التربوية التعليمية.
قبل أن نفترق، سألته الى أين كنت متوجها؟ أجابني الى دار الافتاء كي أحصل على جواب"هل يجوز إعطاء الزكاة الى المعلم/المعلمة في المدارس الحكومية الفلسطينية بعد أن وصل مربي الأجيال لهذا الحال!؟".
*الاّية الكريمة رقم 89 من سورة مريم
Wed 17 Jun 2026 10:58 am - Jerusalem Time





Share your opinion
"لقد جئتم شيئا إدا"