في لحظة وطنية شديدة التعقيد، وبينما يواجه الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة على وجوده الوطني في غزة، وتصعيداً استيطانياً غير مسبوق في الضفة الغربية بما فيها القدس، جاءت كلمة الرئيس محمود عباس أمام المجلس الثوري المنتخب لحركة فتح لتؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يزال يستند إلى ركيزتين أساسيتين: الصمود السياسي، والبناء الديمقراطي للمؤسسات الوطنية من خلال صناديق الاقتراع.
أهمية الخطاب لا تكمن فقط في مضامينه السياسية المتعلقة بإنهاء الحرب، وإعادة الإعمار، وتنفيذ حل الدولتين، بل أيضاً في تأكيده الواضح على أن الديمقراطية الفلسطينية ليست ترفاً سياسياً ولا استحقاقاً مؤجلاً، وإنما جزء أصيل من معركة بناء الدولة الفلسطينية وترسيخ شرعيتها الداخلية والخارجية.
فالقراءة المتأنية للخطاب تكشف عن رؤية متكاملة لمسار سياسي ودستوري متدرج بدأ بالفعل، ويتجه نحو استكمال بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس المشاركة الشعبية والتداول السلمي للسلطة. هذا المسار لم يبدأ اليوم، بل انطلق من الانتخابات الطلابية والشبابية، مروراً بمسودة الدستور الانتقالي ثم انتخابات الهيئات المحلية التي جرت في ظروف بالغة الصعوبة، ثم المؤتمر العام الثامن لحركة فتح الذي شكل محطة تنظيمية مهمة أكدت قدرة الحركة على التجدد وإعادة إنتاج قياداتها عبر صناديق الاقتراع.
اليوم ينتقل هذا المسار إلى مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في استكمال إعداد مسودة الدستور الفلسطيني، وقانون الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات العامة، باعتبارها الأسس القانونية لأي نظام ديمقراطي حديث. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالمؤسسات والقوانين والضمانات الدستورية التي تنظم العلاقة بين المواطن والسلطة، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لسيادة القانون.
وفي هذا السياق، فإن الإعلان عن الجاهزية لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 يحمل دلالات سياسية عميقة. فهذه الانتخابات لا تمثل مجرد استحقاق انتخابي جديد، وإنما خطوة استراتيجية نحو تجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. كما أنها تعيد الاعتبار لفكرة المشاركة السياسية الشاملة التي تشمل الفلسطينيين أينما وجدوا، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة المساهمة في صياغة المستقبل الوطني. بما يعيد التوازن بين السلطات ويعزز الرقابة والمساءلة ويكرس مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أهم أسس الحكم الرشيد والديمقراطية الحديثة.
أما الانتخابات الرئاسية المقررة مطلع عام 2027، فهي تمثل الحلقة الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي المتكامل، الذي يبدأ من القاعدة الشعبية وينتهي بتجديد الشرعيات الوطنية عبر صناديق الاقتراع وبالرجوع للراي العام وحرية اختيار المواطن لممثليه. فالتداول السلمي للسلطة ليس مطلباً دولياً فحسب، بل حاجة ومصلحة وطنية فلسطينية تعزز وحدة النظام.
وفي ظل محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية، يصبح البناء الديمقراطي نفسه شكلاً من أشكال المقاومة السياسية. فكل مؤسسة فلسطينية منتخبة، وكل قانون عصري، وكل عملية اقتراع شفافة، تمثل رداً عملياً على محاولات إنكار الوجود السياسي الفلسطيني. ولهذا فإن الديمقراطية ليست منفصلة عن المشروع الوطني، بل هي إحدى أدوات حمايته وتعزيزه.
كما أن تركيز الرئيس على تمكين الشباب والمرأة والكفاءات الفلسطينية يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الدولة التي نسعى إليها. فالدول الحديثة لا تُبنى بالاستبعاد، وإنما بالشراكة. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون استثمار طاقات الأجيال الجديدة وإشراك النساء والخبرات الوطنية في صناعة القرار.
إن الرسالة الأبرز التي حملها خطاب الرئيس أمام المجلس الثوري هي أن فلسطين، رغم الاحتلال والحرب والحصار والاستيطان ومحاولات التهميش، ماضية في بناء مؤسساتها الوطنية وفق قواعد الديمقراطية وسيادة القانون. وبينما يحاول الاحتلال فرض وقائع القوة على الأرض، يتمسك الفلسطينيون بشرعية القانون والمؤسسات والانتخابات.
لقد أثبت المؤتمر الثامن لحركة فتح أن التجدد ممكن، ويؤكد المسار المعلن نحو الدستور وانتخابات المجلس الوطني ثم الانتخابات الرئاسية أن الديمقراطية الفلسطينية لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت خارطة طريق وطنية نحو تجديد الشرعية وتعزيز الوحدة وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.
وفي عالم يتحدث كثيراً عن الديمقراطية، يقدم الفلسطينيون نموذجاً لشعب يخوض معركتين متوازيتين في آن واحد: معركة الحرية ضد الاحتلال، ومعركة بناء الدولة عبر المؤسسات. وبين المعركتين تتجسد الحقيقة الأهم: أن الدولة الفلسطينية القادمة لا تُنتزع فقط من خلال النضال الوطني، بل تُبنى أيضاً من خلال الشرعية والديمقراطية. فلنعمل جميعا للمشاركة السياسية والمواطنة الصالحة ومحاربة الفساد لاستكمال وضمان انتظام صحة العملية الديمقراطية وترجمة ما جاء في الخطب من الصمود السياسي والديمقراطية وبناء الدولة.
Sun 14 Jun 2026 10:02 am - Jerusalem Time





Share your opinion
قراءة في خطاب الرئيس أمام المجلس الثوري