شهدت الساحة الاقتصادية في مصر تطوراً لافتاً بتوقيع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذراع الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، اتفاقية مع شركة "طاقة عربية" المدرجة في البورصة. وبموجب هذا الاتفاق، يتم نقل ملكية 10% من حصص محطات وقود "وطنية" التي تمتلك 172 موقعاً استراتيجياً في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما ينهي تعثراً في هذه الصفقة استمر لنحو ست سنوات.
تأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط مستمرة من صندوق النقد الدولي الذي طالب مراراً بضرورة تخارج المؤسسة العسكرية من النشاط الاقتصادي وتقليص عدد شركاتها. وقد أشار الصندوق في تقارير سابقة إلى أن الشركات التابعة للجيش، والبالغ عددها نحو 97 شركة، تتمتع بمزايا تفضيلية وإعفاءات ضريبية تؤثر على تنافسية القطاع الخاص.
الاتفاق الجديد يقضي بتأسيس كيان مشترك يحمل اسم شركة "كويك فيول" لتجارة وتوزيع المنتجات البترولية، حيث ستمتلك "طاقة عربية" حصة أولية مع حق زيادة هذه النسبة مستقبلاً. وستتولى الشركة الجديدة إدارة وتشغيل المحطات، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الإدارة في المرحلة المقبلة ومدى استقلالية القرار التجاري فيها.
أفادت مصادر بأن الحضور العسكري الرفيع خلال مراسم التوقيع، برئاسة اللواء مجدي أنور واللواء خالد عبدالله، يعكس وجود توافق داخلي في المؤسسة العسكرية على هذا المسار. ومع ذلك، يرى مراقبون أن النسبة المطروحة ضئيلة جداً ولا تعبر عن تخارج شامل، بل قد تكون مجرد استجابة شكلية للمطالب الدولية.
تعتبر شركة "طاقة عربية"، التي يرأسها رجل الأعمال أحمد هيكل، شريكاً استراتيجياً قديماً للمؤسسة العسكرية، حيث يمتلك جهاز الخدمة الوطنية بالفعل 20% من أسهمها. هذا التداخل في الملكية يثير شكوكاً لدى بعض المحللين حول ما إذا كانت الصفقة تمثل انتقالاً حقيقياً للقطاع الخاص أم أنها إعادة تدوير للأصول داخل دوائر النفوذ ذاتها.
حققت "طاقة عربية" قفزة كبيرة في أرباحها خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت 225 مليون جنيه بزيادة قدرها 65%. وتمتلك الشركة خبرة واسعة في مجالات الطاقة الشمسية وتوزيع الغاز الطبيعي، مما يجعلها مؤهلة تقنياً لإدارة شبكة محطات "وطنية" وتطوير خدماتها التجارية الملحقة.
يرى خبراء اقتصاديون أن تحويل "وطنية" إلى شركة مدرجة أو تابعة لشركة مدرجة سيلزمها بتقديم ميزانيات معلنة وتقارير دورية كل ثلاثة أشهر. هذه الشفافية الإجبارية قد تكون أهم مكاسب الصفقة، حيث ستخرج بيانات الشركة من حيز السرية العسكرية إلى حيز الرقابة المالية العامة والمساهمين.
مجرد قبول الجيش بطرح نسبة 10 بالمئة من وطنية يمثل خطوة لافتة قد يتبعها خطوات مماثلة في المستقبل.
في المقابل، يرى سياسيون ومعارضون أن المؤسسة العسكرية تحاول احتكار أدوات الإنتاج والثروة لتأمين نفوذها السياسي والاجتماعي. واعتبر البعض أن التلاعب بالتشريعات والقوانين يهدف لتقنين هذا الاحتكار وضمان استمرار الهيمنة على الأصول الحيوية للدولة تحت غطاء الشراكات الاستثمارية.
تتزامن هذه الصفقة مع تحركات إماراتية واسعة في سوق الطاقة المصري، شملت الاستحواذ على امتيازات غاز في البحر المتوسط ومحطات طاقة رياح. هذا الحضور الأجنبي المكثف يثير مخاوف شعبية من فقدان السيطرة الوطنية على قطاع الطاقة الاستراتيجي في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
أشار الباحث يزيد صايغ في تقارير سابقة إلى أن قادة الجيش يمثلون حجر عثرة أمام أي مساس حقيقي بإمبراطوريتهم الاقتصادية. ويرى صايغ أن هناك مقاومة مستمرة داخل القوات المسلحة لعمليات بيع الشركات الكبرى، وهو ما يفسر تأخر تنفيذ الطروحات الحكومية لسنوات طويلة.
تطرح الصفقة تساؤلات جوهرية حول مصير شركات أخرى أعلنت الحكومة عن نيتها طرحها، مثل شركة "صافي" للمياه المعدنية وشركة "سايلو فودز". فهل ستكتفي الحكومة بطرح حصص رمزية لا تتجاوز 10%، أم ستنتقل إلى مرحلة التخارج الكلي الذي يطالب به المانحون الدوليون؟
على الجانب الإيجابي، يرى فريق من المحللين أن نموذج "دولة تمتلك وقطاع خاص يدير" قد يكون المخرج الأنسب للأزمة الحالية. فهذا النموذج يضمن الحفاظ على الأصول العامة مع رفع كفاءة التشغيل وزيادة الإيرادات من خلال خبرات القطاع الخاص في الإدارة والتسويق.
تتوزع ملكية "طاقة عربية" بين مساهمين من جنسيات مختلفة، تشمل شركات سعودية وبريطانية وبحرينية وأوغندية، بالإضافة إلى مساهمين مصريين. هذا التنوع في هيكل الملكية يمنح الشركة طابعاً دولياً، لكنه يضعها أيضاً تحت مجهر التدقيق فيما يتعلق بالأمن القومي المرتبط بقطاع الوقود.
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو موازنة المطالب الدولية بفتح الاقتصاد مع الحفاظ على توازنات القوى الداخلية. وستكشف الشهور القادمة، مع اقتراب نهاية تمويل صندوق النقد، ما إذا كانت صفقة "وطنية" هي بداية لقطار الخصخصة أم مجرد محطة استثنائية لتخفيف الضغوط.





Share your opinion
شراكة بين الجيش المصري و"طاقة عربية": تخارج حقيقي أم إعادة هيكلة للهيمنة؟