تسود حالة من الإحباط داخل الأوساط الأمنية في تل أبيب جراء محدودية النتائج التي حققها العدوان العسكري المستمر على جنوب لبنان. ورغم اتباع جيش الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، إلا أن عملية الاقتحام الأخيرة التي نفذها مقاتل قرب كيبوتس 'موشاف مرغليوت' أعادت تسليط الضوء على الواقع الحرج عند الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.
اعتبر البروفيسور عوزي رابي، خبير الشؤون الأمنية أن هذه العملية تمثل ضربة للمفهوم الأمني الإسرائيلي الذي تبلور عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023. وأوضح أن الطبيعة الجغرافية للحدود الشمالية، بضيق مساحتها وانحدارها الشديد، تجعل من أي محاولة تسلل تهديداً مباشراً للمستوطنات القريبة التي لا تبعد سوى مئات الأمتار.
أشار رابي في تحليل نشرته مصادر عبرية إلى أن محاولات تخريب السياج الحدودي لا يمكن اعتبارها حوادث معزولة أو مجرد استفزازات عابرة. بل يرى الخبير الإسرائيلي أن هذه التحركات هي اختبار حقيقي لقدرة الجيش على حماية الخط الفاصل ومنع تكرار سيناريوهات الاقتحام الواسعة.
صُممت المنطقة الأمنية في جنوب لبنان بهدف أساسي وهو عزل عناصر حزب الله ومنعهم من الوصول إلى نقطة التماس المباشرة. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن الحزب لا يزال قادراً على اختبار ردود الفعل الإسرائيلية وفتح محاور جديدة للعمليات العسكرية رغم القصف المكثف.
شدد التحليل على أن إسرائيل لم تعد تقبل بالواقع القديم الذي كان يسمح بالاقتراب من السياج الحدودي كنوع من إرسال الرسائل السياسية. فالسياج اليوم يمثل خطاً فاصلاً بين مفهومين أمنيين متناقضين، حيث تسعى تل أبيب لفرض سيطرة مطلقة تمنع أي وجود مسلح في محيطها.
من وجهة النظر الإسرائيلية، يفترض أن يفصل هذا السياج المستوطنات عن منظمة تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة وشبكة معقدة من الأنفاق ومراكز الاستخبارات. وتخشى الدوائر الأمنية من أن أي ثغرة في هذا الجدار قد تؤدي إلى انهيار المنظومة الدفاعية التي جرى تحديثها مؤخراً.
يطرح الوضع في الجنوب اللبناني تساؤلات عميقة حول هوية المسيطر الفعلي على الأرض، هل هي الدولة اللبنانية أم حزب الله. ورغم وجود الحكومة والجيش اللبناني في المشهد الرسمي، إلا أن المعطيات الميدانية تؤكد استمرار هيمنة الحزب على مفاصل القوة والبنية التحتية العسكرية.
محاولة الاقتراب من السياج أو إتلافه ليست حادثة فردية، بل هي اختبار للمفهوم الأمني الجديد برمته في الشمال.
أكد رابي أن حزب الله لا يزال يحتفظ بولاءات محلية واسعة وقدرة لوجستية تمكنه من تحديد توقيت عبور الحدود والتحرك بحرية في القرى الجنوبية. وهذا الواقع يفرض على إسرائيل تحدياً مستمراً في كيفية التعامل مع منطقة لا تمارس فيها الدولة اللبنانية سيادة حقيقية.
لا تبدي إسرائيل رغبة في إدارة شؤون لبنان الداخلية أو التواجد الدائم هناك، لكنها ترهن استقرار الحدود بوجود عامل يمنع وصول المسلحين للسياج. وإذا فشل الجيش اللبناني في القيام بهذا الدور، فإن الاحتلال يهدد بمواصلة العمليات العسكرية لفرض هذا الواقع بالقوة مهما كان الثمن باهظاً.
جوهر الاختبار في المرحلة المقبلة لا يكمن في الاتفاقيات الدبلوماسية أو الصياغات الرنانة التي قد تصدر من واشنطن. بل يتمثل السؤال الحقيقي في من يسيطر فعلياً على المنطقة الممتدة بين القرى اللبنانية والسياج الحدودي ومن يملك القدرة على تفكيك البنى التحتية.
يرى الخبراء أن أي ترتيب لا يتضمن تفكيكاً كاملاً للأنفاق ومنعاً باتاً لإدخال الأسلحة سيكون مجرد توقف مؤقت للقتال. فالمطلوب إسرائيلياً هو جهة قادرة على مراقبة التحركات الليلية ومنع أي اقتراب غير منسق باتجاه الحدود لضمان أمن المستوطنات الشمالية.
يعتبر السياج الحدودي بمثابة اختبار للسيادة اللبنانية، حيث أن كل عملية تسلل تثبت أن الدولة ليست المالك الوحيد للقرار في الجنوب. وبقاء حزب الله قادراً على إدارة الأراضي وفرض أجندته يعني أن التهديد لا يزال قائماً ولم يتراجع رغم الضغط العسكري.
دعا رابي القيادة الإسرائيلية إلى التصرف بحكمة وحزم في آن واحد، لتجنب الظهور بمظهر من يحارب الدولة اللبنانية أو مواطنيها المدنيين. وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة عدم السماح للحزب بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب عبر عمليات تسلل صغيرة ومتدرجة.
خلص التحليل إلى أن الأحداث العابرة على الحدود هي التي سترسم ملامح المرحلة القادمة، وأن الفشل في تأمين السياج يعني فشل العملية العسكرية برمتها. لذا، فإن إسرائيل تجد نفسها مضطرة لمراجعة خططها في ظل إصرار المقاتلين على الوصول لنقاط التماس رغم كل العوائق.





Share your opinion
إحباط إسرائيلي من محدودية نتائج العدوان على لبنان وتشكيك في فاعلية 'المنطقة الآمنة'