كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عن أبعاد خطيرة لأزمة السيولة النقدية التي تعصف بقطاع غزة، مؤكدة أنها تجاوزت نقص الأوراق المالية لتصبح تهديداً للبنية التحتية الاقتصادية والمصرفية بالكامل. وأوضحت الدراسة أن الحرب المستمرة والحصار المفروض أديا إلى انهيار واسع في المنظومة المالية، مما استدعى البحث عن حلول تقنية بديلة.
وترى الدراسة أن الأزمة الراهنة هي انعكاس مباشر لتدمير فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، بالإضافة إلى القيود المشددة التي تمنع دخول النقد الورقي إلى القطاع. هذا الواقع أدى إلى تعطيل الدورة النقدية الطبيعية وخلق حالة من الاختناق المالي الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الاقتصاد الفلسطيني المعاصر.
وأشارت المصادر البحثية إلى أن توقف القنوات التقليدية لتدفق الأموال، مثل المساعدات الدولية وتحويلات العمال والرواتب القادمة من الضفة الغربية، ساهم في تقليص المعروض النقدي بشكل حاد. هذا النقص الحاد انعكس سلباً على كافة الأنشطة المعيشية والتجارية، مما دفع المواطنين للبحث عن بدائل غير رسمية لتسيير شؤونهم اليومية.
ورصدت الدراسة ظهور ظواهر اقتصادية سلبية، من أبرزها احتكار السيولة خارج الجهاز المصرفي الرسمي وتوسع الاقتصاد غير المنظم. وقد تحول النقد إلى سلعة نادرة تخضع للمضاربة، حيث تُفرض عمولات باهظة على عمليات السحب، مما استنزف القدرة الشرائية للمواطنين الذين يعانون أصلاً من الفقر والبطالة.
وفي ظل هذا التدهور، برزت مقترحات تقنية تدعو لإطلاق عملة رقمية أو 'عملة مستقرة' خاصة بقطاع غزة لتجاوز أزمة النقد الورقي. ورغم الجاذبية التقنية لهذه الحلول، إلا أن الدراسة تتعامل معها بمنظور نقدي يحذر من اختزال الأزمة في بُعدها الفني فقط دون النظر إلى جذورها السياسية والسيادية.
وحذرت الدراسة من أن إنشاء نظام نقدي رقمي مستقل لغزة قد يؤدي إلى ترسيخ مسار الانفصال المالي بين القطاع والضفة الغربية. هذا التوجه قد يفضي إلى ظهور منظومتين ماليتين متوازيتين، مما يضعف من وحدة المؤسسات الوطنية الفلسطينية ويخلق واقعاً سياسياً واقتصادياً جديداً يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
ونبهت المصادر إلى أن مثل هذه الخطوة ستقوض دور سلطة النقد الفلسطينية باعتبارها المرجعية الوطنية الوحيدة للسياسة النقدية. ففقدان السيطرة التنظيمية والإشرافية على حركة الأموال في غزة يعني تفتيت السيادة المالية الفلسطينية وإضعاف القدرة على إدارة الاقتصاد الكلي بشكل موحد.
إن إنشاء منظومة مالية منفصلة لغزة قد لا يكون مجرد استجابة ظرفية لأزمة السيولة، بل قد يساهم في إعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين شطري الوطن على أسس انفصالية.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية مضاعفة في ظل النقاشات الدولية والإقليمية حول مستقبل إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. فالدراسة تنبه إلى أن الترتيبات التي تُقدم كحلول مؤقتة قد تتحول إلى وقائع دائمة تفرض نفسها على الأرض، مما يعيد تشكيل العلاقة بين شطري الوطن على أسس انفصالية.
وعلى الصعيد التقني، لفتت الدراسة إلى أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي يتطلب بنية تحتية صلبة من شبكات اتصالات وإمدادات كهربائية مستقرة. وفي ظل الدمار الهائل الذي لحق بهذه المرافق في غزة، فإن الاعتماد على منظومة رقمية بالكامل يظل أمراً محفوفاً بالمخاطر التشغيلية والأمنية العالية.
كما أثارت الدراسة مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية والسيادة، حيث إن الأنظمة الرقمية المركزية تتيح مستويات عالية من التتبع والرقابة. وفي حال لم تكن هذه المنظومة خاضعة للمؤسسات الرسمية الفلسطينية، فقد تتحول إلى أدوات للتحكم والضبط المالي من قبل جهات غير وطنية، مما يهدد أمن الأفراد والمؤسسات.
وبدلاً من الحلول التقنية السريعة، دعت الدراسة إلى تبني مقاربة شاملة تعالج الجذور البنيوية للأزمة النقدية. وتتمثل هذه المقاربة في ضرورة إعادة تفعيل قنوات ضخ السيولة عبر المصارف الرسمية، وتوفير آليات دعم طارئة للقطاع المصرفي لضمان استمرارية عمله في ظل الظروف القاسية.
وشددت الدراسة على أهمية تعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية وتوسيع استخدام أنظمة الدفع الرقمية الوطنية القائمة بالفعل، بدلاً من ابتكار منظومات موازية. كما طالبت بالعمل الجاد على إعادة تأهيل البنية التحتية للاتصالات والكهرباء لتهيئة بيئة آمنة للخدمات المالية الحديثة تحت مظلة وطنية موحدة.
وخلصت الدراسة إلى أن التعافي الاقتصادي الحقيقي في غزة لا يمكن أن ينفصل عن وحدة النظام المالي الفلسطيني. فالمسألة ليست مجرد تسهيل معاملات تجارية، بل هي قضية ترتبط بمستقبل السيادة الوطنية والقدرة على مواجهة التحديات الاستراتيجية التي ستفرضها مرحلة إعادة الإعمار وما بعدها.
وفي ختام تقريرها، أكد مركز الزيتونة أن الحفاظ على وحدة المؤسسات المالية هو الضمانة الوحيدة لمنع تفتيت الاقتصاد الفلسطيني. ودعت الدراسة صانع القرار الفلسطيني إلى الحذر من الحلول التي قد تبدو مريحة في المدى القصير، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية تهدد المشروع الوطني والوحدة السياسية.





Share your opinion
دراسة لمركز الزيتونة تحذر من مخاطر العملة الرقمية المنفصلة في غزة وتداعياتها السيادية