شهدت إسرائيل لليوم الثاني على التوالي موجة احتجاجات عارمة قادها آلاف المتدينين اليهود 'الحريديم'، تعبيراً عن رفضهم القاطع لمحاولات فرض التجنيد الإجباري على طلاب المدارس الدينية. وأدت هذه التحركات الميدانية إلى إغلاق محاور طرق استراتيجية وخطوط للسكك الحديدية، مما تسبب في حالة من الشلل الواسع في منظومة النقل العام والخاص في مناطق المركز والقدس.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المتظاهرين تعمدوا إغلاق الطرق السريعة الحيوية رقم 1 و4 و6، وهي الشرايين الرئيسية التي تربط مدينة تل أبيب بالقدس وتمتد على طول الساحل الإسرائيلي. وقد تسبب هذا الإغلاق في تكدس آلاف المركبات وتعطيل مصالح المستوطنين، في وقت حاولت فيه قوات الشرطة التدخل لفتح الطرق بالقوة.
ولم تقتصر الاضطرابات على الطرق البرية، بل امتدت لتشمل شبكة القطارات، حيث اقتحم محتجون مسارات السكك الحديدية في عدة نقاط مركزية، مما أجبر سلطة القطارات على تعليق الرحلات جزئياً. هذا التصعيد ألقى بظلاله على حركة المسافرين المتوجهين إلى مطار بن غوريون، الذين اضطروا للبحث عن وسائل نقل بديلة وسط ازدحامات خانقة.
وسجلت الطواقم الطبية وقوع إصابات في صفوف المتظاهرين والمارة نتيجة المواجهات وحوادث الدهس، كان أبرزها إصابة مسن يبلغ من العمر 93 عاماً في منطقة غوش دان. كما وقعت مشادات واعتداءات متبادلة بين السائقين العالقين والمحتجين، مما عكس حالة التوتر الاجتماعي المتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب هذه القضية.
من جانبها، أعلنت الشرطة الإسرائيلية أنها تعمل على استعادة السيطرة وتفريق التجمعات في المفترقات الرئيسية التي تربط شمال البلاد بجنوبها. ورغم ادعاءات الشرطة بأن الوضع بات تحت السيطرة، إلا أن استمرار تدفق المتظاهرين إلى الشوارع يشير إلى صعوبة احتواء الأزمة في المدى المنظور.
وتأتي هذه الاحتجاجات رداً على ما تصفه القيادات الدينية بـ 'الملاحقة الممنهجة' للرافضين للتجنيد، خاصة مع صدور أوامر اعتقال بحق المتهربين من الخدمة العسكرية. ويرى الحريديم أن هذه الإجراءات القانونية تمثل اعتداءً صارخاً على نمط حياتهم الديني الذي يكرسونه لدراسة التوراة بعيداً عن المؤسسة العسكرية.
الحريديم يعتبرون الاندماج في المجتمع العلماني والخدمة العسكرية تهديداً لهويتهم الدينية واستمرارية مجتمعهم القائم على دراسة التوراة.
وكانت الأيام الماضية قد شهدت تصعيداً مماثلاً، حيث اعتدى عشرات المحتجين على عناصر الشرطة في القدس، وحاولوا اقتحام منازل مسؤولين قضائيين وعسكريين. وشملت هذه المحاولات استهداف منزل نائب رئيس المحكمة العليا ورئيس الشرطة العسكرية، تعبيراً عن الغضب من القرارات القضائية التي ألغت الإعفاءات التاريخية للمتدينين.
ويمثل الحريديم نحو 13% من إجمالي السكان، وهم يتمتعون بنفوذ سياسي كبير يمنحهم القدرة على الضغط على الحكومات المتعاقبة للحفاظ على امتيازاتهم. إلا أن قرار المحكمة العليا في عام 2024 الذي ألزمهم بالتجنيد، وضع الحكومة الحالية في مأزق حقيقي بين الالتزام بالقانون أو الحفاظ على ائتلافها الحاكم.
ويواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً مزدوجة؛ فمن جهة يطالب الشارع العلماني والجيش بالمساواة في تحمل أعباء الخدمة، ومن جهة أخرى تهدد الأحزاب الدينية بالانسحاب من الحكومة في حال فرض التجنيد. هذه المعضلة السياسية تزيد من تعقيد المشهد الداخلي في وقت تخوض فيه إسرائيل مواجهات عسكرية على جبهات متعددة.
وتستند معارضة الحريديم للتجنيد إلى فتاوى كبار الحاخامات الذين دعوا صراحة إلى تمزيق أوامر الاستدعاء وعدم الامتثال لها تحت أي ظرف. ويعتبر هؤلاء القادة أن الانخراط في الجيش سيؤدي حتماً إلى ذوبان الهوية الدينية للشباب المتدين وانخراطهم في ثقافة علمانية تتناقض مع قيمهم.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، تزايدت الحاجة إلى القوى البشرية داخل الجيش، مما فاقم من حدة الجدل حول إعفاء المتدينين. ويرى مراقبون أن إصرار المؤسسة العسكرية على تجنيد الحريديم قد يدفع نحو مواجهة شاملة بين الدولة والقطاع المتدين، مما يهدد الاستقرار الداخلي بشكل غير مسبوق.
ختاماً، تظل أزمة تجنيد الحريديم واحدة من أعقد القضايا التي تواجه المجتمع الإسرائيلي، كونها تتجاوز الجانب العسكري لتصل إلى صلب الهوية الوطنية والدينية. ومع استمرار الاحتجاجات في الشوارع، يبدو أن الحلول الوسط باتت صعبة المنال في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الجذرية.





Share your opinion
شلل في حركة النقل بإسرائيل مع تصاعد احتجاجات 'الحريديم' ضد التجنيد