Wed 10 Jun 2026 9:25 am - Jerusalem Time

الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب


ثمة حروب تُخاض على الجبهات، وأخرى تُخاض في الزنازين. وفي فلسطين، لم تعد السجون مجرد أماكن لاحتجاز الأفراد، بل تحولت، على نحو متزايد، إلى امتداد مباشر لمعركة تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله. ولعل ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات اليوم يكشف واحداً من أكثر وجوه هذه الحرب قسوةً وخطورة؛ حرب لا تكتفي بحرمان المرأة من حريتها، بل تسعى إلى تجريدها من كرامتها وإنسانيتها وحقها في أن تكون شاهدة على زمنها لا ضحية له.
المعطيات الأخيرة التي نشرها نادي الأسير الفلسطيني بشأن ارتفاع عدد الأسيرات إلى نحو خمسة وتسعين أسيرة، بينهن طفلات ونساء حوامل ومعتقلات إدارياً، لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد أرقام في تقرير حقوقي جديد. فالأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تنقل وحدها حجم الألم المختبئ خلف أبواب الزنازين. وراء كل رقم أمّ انتُزعت من أطفالها، أو طالبة جامعية أُخرجت من قاعة محاضراتها إلى غرفة تحقيق، أو امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة منظومة كاملة من العزل والقهر والإذلال.
الأمر اللافت أن الاعتقالات لم تعد تقتصر على الناشطات السياسيات أو على النساء المرتبطات بشكل مباشر بملفات المقاومة والأسرى، بل باتت تطال الطالبات والخريجات والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية. وكأن الرسالة المراد إيصالها تتجاوز الفرد إلى المجتمع نفسه: لا أحد خارج دائرة الاستهداف. لكن الاعتقال، على فداحته، ليس سوى بداية الحكاية.
فالشهادات المتواترة عن الضرب والتنكيل والتفتيش المهين والعزل الانفرادي والتجويع والحرمان من العلاج تكشف عن واقع يتجاوز فكرة الاحتجاز إلى صناعة معاناة يومية مقصودة. وحين تتحول الإهانة إلى سياسة، والعزل إلى أداة عقاب ممنهجة، والحرمان من الرعاية الصحية إلى وسيلة ضغط، فإننا نكون أمام محاولة منظمة لإخضاع الإنسان عبر استنزافه نفسياً وجسدياً.
الأشد إيلاماً أن المرأة الفلسطينية تدفع اليوم ثمن كونها امرأة وفلسطينية في آن واحد. فهي مستهدفة باعتبارها جزءاً من شعب واقع تحت الاحتلال، ومستهدفة أيضاً لدورها المركزي داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن فصل استهداف الأسيرات عن محاولات أوسع لتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية وإضعاف مصادر صمودها. فالمرأة التي تحفظ تماسك الأسرة، وتربي أبناءها على الأمل رغم الخراب، وتواصل تعليمها وعملها رغم الحصار، تمثل في نظر الاحتلال عنواناً للصمود بقدر ما تمثل عنواناً للحياة. غير أن القضية لا تكمن فقط فيما يجري داخل السجون.
القضية الحقيقية تكمن في ذلك العجز الأخلاقي الذي بات يطبع الموقف الدولي. فمنظمات حقوق الإنسان توثق، والهيئات الأممية تعرب عن القلق، والتقارير تتراكم عاماً بعد عام، فيما تستمر الانتهاكات بوتيرة متصاعدة. وكأن العالم نجح في تحويل المأساة الفلسطينية إلى مشهد اعتيادي؛ مأساة تُشاهَد وتُوثَّق وتُناقَش، لكنها نادراً ما تُواجَه بإجراءات حقيقية.
لقد أصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن للمنظومة الدولية أن تتحدث عن حماية المرأة وحقوق الإنسان بينما تعجز عن حماية أسيرات يتعرضن لانتهاكات موثقة ومستمرة؟ وكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بسلطته المعنوية إذا كان تطبيقه خاضعاً لاعتبارات السياسة وموازين القوة؟
إن قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست قضية نسوية فحسب، وليست ملفاً حقوقياً معزولاً عن سياقه. إنها اختبار يومي لصدقية العالم المعاصر في حديثه عن العدالة والكرامة الإنسانية. وهي تذكير مؤلم بأن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى أيضاً إلى مصادرة الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب تبدو الأسيرات الفلسطينيات اليوم أكثر من مجرد ضحايا. إنهن شاهدات على زمن فقد كثيراً من يقينه الأخلاقي، وعلى عالم بات يعرف كل شيء عمّا يحدث، لكنه يفضّل في معظم الأحيان أن ينظر في الاتجاه الآخر.
وإذا كانت الحرية هي المعيار الأسمى لكرامة الإنسان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام ضمير العالم هو: كم أسيرة أخرى يجب أن تدخل الزنزانة قبل أن يتحول التعاطف إلى موقف، والتوثيق إلى محاسبة، والصمت إلى فعل؟
حتى الآن، لا تملك الأسيرات سوى الصبر.
اما العالم، فلا يزال مديناً لهن بالعدالة.



Tags

Share your opinion

الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.