Mon 08 Jun 2026 9:39 am - Jerusalem Time

احتلال متذمر من جرس الإنذار



إنهم يقتلوننا بهذه المسيّرات الصغيرة، بهذه العبارة قدم مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون شكوى إلى الأمم المتحدة وهو يرفع نموذج لطائرة "الدرون" التي يتصدى فيها حزب الله للعدوان على لبنان، والتي لم تترك خياراً لإسرائيل سوى التحرك، وبأن دولته تفعل كل ما هو ضروري لحماية السكان.
عندما يقف داني دانون مشتكياً أمام مجلس الأمن، من أن حزب الله يقتل جنوداً إسرائيليين، لم يكن مخطئاً، فهذا يحدث عندما تغزو بلداً ويرفض شعبه الخضوع للمحتل والمستعمر، وهذه سردية إسرائيلية بدأت مع نكبة فلسطين 1948، ثم احتلال بقية أرضها 1967، وتتويج الزمن الفلسطيني والعربي بجرائم إبادة في غزة وتطهير عرقي في الضفة والقدس، نتج كل ذلك بعد سلسلة من عمليات ممنهجة من تشديد الحصار ومصادرة الأرض واستيطانها والتضييق على شعبها، من ثم تأتي نفس السردية الإسرائيلية بأنها لا تقوم باحتلال لبنان وتطالب بإدانة المقاومة، وكأنها هي المشكلة تماماً كما تفعل مع مقاومة الفلسطينيين لسلوكها الاستعماري ضدهم.
التذمر الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي، من سقوط جنوده الغزاة في أرض الغير، يُذكّر باللص المتذمر من وجود جهاز إنذار في البيت الذي اقتحمه ليقتل من فيه ويسطو عليه، الإسرائيليون القتلى في لبنان أو في فلسطين لا يسقطون باعتبارهم "يهود" كما هي سردية اللص المزيفة المكشوفة، يُقتلون لكونهم غزاة ومحتلين، والغزاة تاريخياً لا يُستقبلون عادةً بالورود والشاورما، بل يقابَلون بما هو أشد وطأة، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يتوقع أي شخص في تل أبيب وواشنطن غير ذلك؟
إسرائيل تظهر نفسها بمظهر مثير للسخرية في كل مناسبة، وها هو سفيرها في الأمم المتحدة، يكرر ما دأب عليه أسلافه في الشكوى من تذمر الضحية من جلادها، الذي يتسلح بعقلية "الحق في إبادة الأغيار" والدفاع عن النفس دون وجه حق، مع أن الحقيقة بسيطة، إسرائيل تحتل الضفة والقدس وغزة وجنوب لبنان وسوريا بموجب تعريف القانون الدولي وشرعته، اللذين لا تقيم لهم أي وزن واعتبار، وتتعامل مع مقاومة سياساتها الاستعمارية، بأنها عوامل تزعزع استقرار المنطقة، مع أن الفتيل وصاعق التفجير للسلام والاستقرار هو  الاحتلال نفسه، ووجوده على أرض الغير، وعدم امتثاله للقانون الدولي وقراراته، وهو الذي يستدعي النقاش والتذمر من سلوكه وسياساته والشكوى ضده وفرض العقوبات عليه، وليس العكس.
كل ما يحدث تحت مظلة حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها ساهم بإسقاط كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والقانونية، التي يتشدق بها المدافعون عن هذا الحق، من دون الاعتراف بحق من تُستَعمر أرضه في الرد على فاشية مستمرة ومتعاظمة تسعى لإنهاء وجوده، فيما يستمر لصوص، مثل بن غفير ونتنياهو وسموتريتش وكاتس ودانون وبقية المستعمرين، بالشكوى من وجود نظام إنذار لدى صاحب المنزل، يقرع جرس خطرهم وعدوانه عليهم، ويحاول أن يسمع العالم صرخته، لكن صوت اللص مسموع، وشكواه يُنظر بأمرها لأجل ترتيب سلام زائف يُرضي أطماع لصوص الأرض، ويبدد قضية كبرى وحقوق أصحاب البلاد والتاريخ.
يمكن للمرء أن يتأمل ساخراً مندوب دولة الاحتلال من على منصة الأمم المتحدة، وهو يعدد عشرات آلاف شكاوى الضحايا، وأن يقرأ نصوص القرارات الدولية التي تطالب بإنهاء الاحتلال وعودة الحق لأصحابه، أو التحقيق بجرائمه وإدانته ومعاقبته، غير أن انكسار القانون الدولي أمام صلابة لص محتل  منحه "شرعية" غريبة في التاريخ البشري، وأسهمت فيه إمبريالية متعاقبة ليكون جرس إنذار الضحية ذريعة المجرم للمضي في ارتكاب الجرائم، فلم يكن مفاجئاً أن تستمر إسرائيل في عدوانها أمام مجتمع دولي أصابه الوهن والخراب، بعد سلسلة لامتناهية من حماية جرائم الحرب والإبادة، والصمت عن الاستيطان والعدوان المتواصل، فمن يزعزع استقرار المنطقة لصوص الأرض ومجرموها، أم أصحابها وجرسهم المعلق أمام عالمٍ لا يصغي لهم؟

Tags

Share your opinion

احتلال متذمر من جرس الإنذار

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.