تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى من الخارطة بفعل الإعصار 'دانيال' في سبتمبر 2023، النهوض مجدداً من خلال عملية إعمار متسارعة. تشهد المدينة حالياً ورشة عمل كبرى تشمل تشييد جسور حديثة ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية وتعليمية، في محاولة لتجاوز آثار الكارثة التي لا تزال عالقة في أذهان السكان.
لا تزال صور ليلة العاشر من سبتمبر 2023 حاضرة بقوة، حين تسببت الأمطار الغزيرة في انفجار سدين متداعيين، مما أدى إلى تدفق طوفان من المياه بارتفاع سبعة أمتار. هذه الكارثة حصدت أرواح ما لا يقل عن 4 آلاف شخص، فيما اعتُبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح أكثر من 40 ألفاً من منازلهم التي طمرها الطمي.
تؤكد أسماء القزيري، وهي مواطنة فقدت العديد من أقاربها أن المدينة تشهد تغييراً ملحوظاً في بنيتها التحتية، واصفة الحالة بأنها 'تعافٍ' ملموس. ومع ذلك، تشير القزيري إلى أن الجروح النفسية لم تندمل بعد، مطالبة السلطات بوضع الصحة النفسية على رأس الأولويات للناجين الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل.
ميدانياً، تتسارع الخطى في بناء مستشفى جديد يتسع لـ 600 سرير، بالإضافة إلى إعادة تأهيل عشرات المدارس وبناء جامعة جديدة وملعب لكرة القدم. كما يمتد كورنيش بحري جديد على مسافة 6.5 كيلومترات، مجهز بحماية متطورة ضد عوامل الطقس لضمان عدم تكرار مآسي الماضي.
أعمال الإعمار لم تقتصر على المرافق العامة، بل شملت محطة لتحلية مياه البحر وترميم جامع الصحابة التاريخي الذي عاد لاستقبال المصلين بحلة جديدة. هذه التحركات تهدف إلى إعادة الحياة الطبيعية لمدينة عانت لسنوات من النزاعات المسلحة قبل أن تضربها الكارثة الطبيعية.
يرى أشرف التارقي، وهو مشرف على ورش بناء فقد أفراداً من عائلته أن المساحات الخضراء التي بدأت تنتشر في المدينة تساهم في تحسين الحالة النفسية للسكان. ويعبر التارقي عن مشاعر مختلطة، حيث يثمن الإعمار لكنه يؤكد أن فقدان الأحبة لا يعوضه بناء المنازل أو الجسور مهما بلغت جودتها.
تاريخياً، مرت درنة بمحطات قاسية، من التمرد على نظام القذافي عام 2011 إلى وقوعها تحت سيطرة تنظيمات متطرفة، وصولاً إلى سيطرة قوات المشير خليفة حفتر في 2018. اليوم، تخضع المدينة لإشراف حكومة بنغازي التي جعلت من إعمار درنة واجهة لقدراتها الإدارية والتنفيذية في المنطقة الشرقية.
هناك تغيير ملحوظ جداً.. مدينتي تتعافى، لكننا نحتاج للاهتمام بقطاع الصحة النفسية كأولوية لمن نجا جسدياً وتضرر نفسياً.
أوضح المهندس عادل بوخشيم، المسؤول في صندوق إعادة الإعمار أن نسبة الإنجاز في المشاريع الكبرى بلغت نحو 80%، متوقعاً اكتمال العمل خلال الأشهر الثمانية القادمة. وأشار إلى بناء 3500 شقة سكنية، تم تسليم 2500 منها بالفعل للمتضررين الذين فقدوا بيوتهم في الفيضانات.
تضمنت خطة الإعمار تشييد تسعة جسور جديدة، أربعة منها تعبر الوادي الذي كان مسرحاً للمأساة، حيث تحول المجرى الآن إلى مكان للتنزه. كما شملت الأعمال ترميم الأحياء التي نجت جزئياً من الإعصار، عبر تركيب أعمدة إنارة حديثة ورصف أرصفة جديدة لتحسين المظهر الحضري.
ساهمت 'حمى البناء' في توفير فرص عمل واسعة، ليس فقط لليبيين بل للعمالة الوافدة أيضاً، حيث يبدي العمال سرورهم من توافر الفرص المهنية. يقول أحمد شحاتة، وهو دهان مصري إن العمل متوفر في كل مكان بالمدينة، مما يعكس حجم الحراك الاقتصادي المرافق لعملية إعادة الإعمار.
كشفت كارثة 'دانيال' في بدايتها عن ترهل شديد في البنية التحتية وإهمال للسدود التي تعود لفترة السبعينات، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً في حينه. هذا الغضب دفع السلطات في شرق ليبيا إلى إنشاء صندوق إعمار خصصت له ملياري دولار لضمان سرعة الاستجابة وتفادي البيروقراطية.
يتولى بلقاسم حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، الإشراف المباشر على الصندوق، حيث يسعى لتقديم درنة كنموذج للتنمية السريعة في البلاد. وخلال أقل من عامين، تغير المشهد العام للمدينة بشكل كلي، حيث اختفت أكوام الركام وحلت مكانها ورش البناء والآليات الثقيلة.
بالنسبة للمهندس بوخشيم، الذي فقد 15 فرداً من عائلته بينهم شقيقته وأطفالها، فإن المشاركة في الإعمار كانت وسيلة شخصية للتعافي من الصدمة. يقول متأثراً إن العمل في هذه المشاريع يجعله يشعر بأن الأرواح التي فُقدت لم تذهب هباءً، بل كانت دافعاً لبناء مدينة أفضل.
رغم الإنجازات العمرانية، يبقى التحدي الأكبر هو لم شمل المجتمع الدرناوي وتضميد جراحه العميقة التي خلفتها السيول. فبينما ترتفع البنايات وتتصل الجسور، لا تزال العديد من العائلات تنتظر معرفة مصير مفقوديها، مما يجعل مسار التعافي طويلاً ومعقداً يتجاوز حدود الحجر والأسمنت.





Share your opinion
درنة الليبية تنفض غبار الركام: إعمار متسارع يسابق ذكريات فاجعة 'دانيال'