يعد كتاب 'شيرين أبو عاقلة.. سيرة صحفية' عملاً توثيقياً وتحليلياً يغوص في أعماق التجربة المهنية لواحدة من أبرز القامات الصحفية في العالم العربي. يسعى الكتاب، الذي شارك في تأليفه محمد البقالي وحياة الحريري، إلى تفكيك الأدوات المهنية التي استخدمتها شهيدة الميكروفون في صياغة سردية إعلامية فلسطينية مغايرة.
ينطلق العمل من فرضية جوهرية ترى في شيرين أبو عاقلة فاعلاً أساسياً في تشكيل وعي الجمهور، عبر اعتمادها على القرب من الإنسان والالتزام المطلق بالحقيقة. وقد نجحت شيرين في الاشتباك المهني مع الواقع الفلسطيني المعقد دون الانزلاق إلى فخ الدعاية السياسية الفجة أو التخلي عن رصانة الطرح.
يطرح الكتاب تساؤلاً محورياً حول كيفية موازنة الصحفي بين الموضوعية والانخراط الوجداني عندما يكون جزءاً من القضية التي يغطيها. وتتجسد هذه الإشكالية بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث تتداخل الأبعاد الإنسانية والسياسية والمهنية في بيئة يفرض فيها الاحتلال تحديات يومية قاسية.
في الجزء الأول من الكتاب، يحلل محمد البقالي عناصر التجربة الصحفية لشيرين من منظور علاقتها بالمؤسسة وأخلاقيات العمل الميداني. ويوضح البقالي أن القيم المهنية لدى شيرين بنيت ضمن سياق مؤسساتي حدد معايير العمل، لكنه وضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع رواية الاحتلال الرسمية.
ناقش الكتاب دور الصحفي بين أن يكون مجرد 'حارس بوابة' ينقل المعلومات ببرود، أو 'محامياً' يسعى لكشف الحقيقة والدفاع عن المظلومين. وأكدت الدراسة أن تجربة شيرين مالت إلى الجمع بين الدورين ببراعة، حيث حافظت على مهنيتها العالية دون التخلي عن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه شعبها.
من أبرز ملامح مدرسة شيرين أبو عاقلة هو جعل 'الإنسان' محوراً ثابتاً للقصة الصحفية، بعيداً عن لغة الأرقام المجردة. فقد كانت تبني تقاريرها حول شخصيات حقيقية تروي معاناتها، مما يمنح القصة بعداً إنسانياً عميقاً يسهل وصول القضية إلى وجدان المشاهد العالمي والمحلي.
اعتمدت شيرين أسلوباً وصفه الكتاب بـ'الصحافة المتعاطفة دون انحياز'، حيث ينبع التعاطف من قوة السرد وواقعية المشهد لا من الخطابة المباشرة. هذا التكامل بين الصورة والكلمة والمقابلة شكل وحدة سردية متماسكة جعلت من تقاريرها مرجعاً في فنون الصحافة الميدانية الحديثة.
الصحافة لم تكن بالنسبة لشيرين مجرد مهنة، بل كانت التزامًا أخلاقيًا بنقل الحقيقة مهما كانت التحديات والظروف.
تطرق الكتاب إلى الوظيفة الرقابية التي مارستها شيرين تجاه سلطات الاحتلال، حيث عملت باستمرار على دحض الروايات الإسرائيلية الزائفة. واستخدمت في ذلك أدوات التحقق الميداني والتوثيق بالصوت والصورة، مما جعلها صوتاً موثوقاً في كشف الانتهاكات الممنهجة ضد الفلسطينيين.
في الجزء الثاني، تستعرض حياة الحريري حضور القضية الفلسطينية في تقارير شيرين كواقع يومي يتجاوز الشعارات السياسية الكبرى. فقد ركزت شيرين على تفاصيل الحياة تحت الاحتلال، بدءاً من حرية العبادة وصولاً إلى سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وتدمير مصادر الرزق.
أبرزت التقارير كيف يتحول الحق في العبادة إلى رحلة معاناة يومية بسبب القيود العسكرية في مدينة القدس المحتلة. وكانت مصادر ميدانية قد أشارت إلى أن شيرين كانت توثق المواجهات بدقة، مفندة مزاعم الاحتلال التي تحاول تصوير المقاومة الشعبية كأعمال شغب غير مبررة.
لم تغفل شيرين في مسيرتها عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث نقلت أثر الحصار والعزل على مستوى معيشة الأسر الفلسطينية. كما خصصت مساحات واسعة لقضية الأسرى والمعتقلين، ناقلة مشاعر الألم والأمل لعائلاتهم، مما جعل المشاهد يعيش التجربة الإنسانية بكل تفاصيلها.
اهتمت شيرين أيضاً بالبعد الثقافي والهوية الوطنية، معتبرة أن التراث الفلسطيني جزء أصيل من الصراع مع الاحتلال الذي يحاول طمسه. ووثقت في تقاريرها تمسك الفلسطينيين بعاداتهم وأرضهم، مما عكس جانباً مهماً من جوانب الصمود الثقافي في وجه محاولات الإلغاء والتهويد.
خلصت الدراسة إلى أن قوة تجربة شيرين تكمن في قدرتها على تحويل القضايا السياسية المعقدة إلى قصص إنسانية بسيطة وقريبة من الناس. وقد حافظت على توازن دقيق بين انتماءها الوطني ومعاييرها المهنية الصارمة، مما أكسبها مصداقية واسعة تجاوزت الحدود الجغرافية لفلسطين.
يمثل هذا الكتاب في جوهره وثيقة وفاء لصحفية دفعت حياتها ثمناً لنقل الحقيقة من الميدان. إنه يعيد إحياء صوت 'عين فلسطين الناطقة' ويؤكد أن رسالتها المهنية ستظل حية في ضمير الأجيال القادمة من الصحفيين الذين ينشدون العدالة والحرية.





Share your opinion
شيرين أبو عاقلة.. سيرة مهنية توثق مدرسة 'الصحافة المتعاطفة' في مواجهة الاحتلال