يرتبط مفهوم العيد في الوجدان الإسلامي والإنساني بكل ما يبعث على النور والسعادة والتسامح، فهو تلك الكلمة التي تحمل في طياتها معاني التجدد والبهجة. وتتعدد التعريفات التي صاغها العلماء والأدباء لهذا اليوم، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة وهي الفرح العائد الذي يكسر رتابة الأيام.
استند الفكر الإسلامي في تعريف العيد إلى كونه يوماً للسرور، حيث أشار الإمام البغوي إلى أن التسمية جاءت من العود من فرح إلى فرح آخر. وبذات السياق، أكد الإمام الشوكاني أن يومي الفطر والأضحى سميا عيدين لاستمرارية عودتهما السنوية على الأمة الإسلامية.
من جانبه، قدم الأديب مصطفى صادق الرافعي رؤية فلسفية للعيد، واصفاً إياه بأنه خروج مؤقت من الزمن المعتاد إلى زمن خاص لا يتجاوز اليوم الواحد. واعتبره وقتاً طبيعياً تفرضه الأديان على الناس ليكون محطة للضحك والسرور وسط تعقيدات الحياة المستمرة.
تتجلى قيمة العيد الحقيقية في كونه فرصة لتبادل التهاني وزراعة قيم المحبة والتعاطف والتكاتف بين البشر في كل مكان. فالساعات القليلة التي يحملها هذا اليوم تغرس في الأرواح والزمان بهجة استثنائية، وتؤصل لمعاني الحب والوئام المجتمعي.
ورغم أن العيد يمثل فرحة جامعة للصغار والكبار والأغنياء والفقراء، إلا أنه يتحول لدى شريحة واسعة من المغتربين والمهجرين إلى مناسبة مثقلة بالألم. ففي الغربة، تعجز هذه الساعات عن نشر البهجة التامة في قلوب أرهقها الحنين ومزقتها ذكريات الأوطان البعيدة.
تطرح الحياة المعقدة تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الثوب الجديد في ظل أرواح بالية وقلوب أضناها التعب والشتات. فالحكمة والمروءة تقتضي أحياناً عدم الحديث عن الأتراح في وقت الأفراح، لكن صرخات الغربة الصامتة تفرض نفسها كواقع لا يمكن تجاهله.
يروي الكاتب تجربته الشخصية مع الهجرة التي بدأت بقطع طرقات صحراوية طويلة، لينتهي به المطاف في عالم غريب ودولة أخرى. ومنذ تلك اللحظة التي عانقت فيها قدماه أرض الغربة، تحول إلى ما يشبه الشبح الذي يسير في طرقات لا يعرفه فيها أحد.
العيد مناسبة أنيقة لإنعاش الحياة، وطرد عوامل الكراهية والخراب، وزراعة بذور المحبة والصلاح والبناء.
على مدار أكثر من اثنين وأربعين عيداً، استمرت حياة المغتربين ككائنات تكبر في السن بينما تظل أحلامها وطموحاتها معلقة ومؤجلة. إنها حياة تعيش على ذكريات مخدرة وعواطف مكبوتة، حيث يتقلب المرء على جمر الفراق والضياع في بلاد المهجر.
تتضاعف الصعوبات النفسية والفكرية والمالية التي يواجهها المهجرون، مما يجعل أثقال الغربة تذبح الفرحة في مهدها. وبدلاً من أن يكون العيد موطناً للبهجة، يصبح بالنسبة للكثيرين محطة لتجديد مواجع الفقد والبعد عن الأهل والخلان.
بالرغم من هذه الهموم، يحاول الإنسان في العيد أن يغير رؤيته للكون والناس، مستنداً إلى قيم الخير ونشر السعادة رغم الصعاب. فالفرحة المؤجلة تظل قائمة في القلوب، كأداة لإنعاش الحياة ومقاومة عوامل الهدم والكراهية التي قد تفرزها ظروف اللجوء.
لقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين وصف العيد بأنه يقبل مزهواً وضاحكاً في ثوبه الجديد، لكن هذا الوصف ينطبق تماماً على من يعيش العيد في وطنه. أما حال الغرباء، فهو مختلف تماماً، حيث يمتزج الأمل بنور الأشواق لأرض أُرغموا على فراقها قسراً.
يوجه الكاتب نداءً للعيد بأن يرفق بالأرواح الرقيقة والقلوب الكليمة التي لم تعد تحتمل مزيداً من الأفراح التي يصفها بـ 'المزيفة'. فالمسير في دروب لا ينادي فيها أحد، ومغازلة طرقات لا تحفظ وقع الخطوات، يزيد من وطأة الشعور بالوحدة القاتلة.
يستحضر المقال بيت المتنبي الشهير 'عيد بأي حال عدت يا عيد'، معتبراً إياه لسان حال ملايين المهجرين في العصر الحديث. فالبيداء والمسافات الشاسعة تقف حائلاً بين الأحبة، مما يجعل العيد مجرد تكرار لزمن مضى دون تجديد حقيقي في روح المغترب.
في الختام، تظل الأمنيات بالخير والأمن والأمان هي الملاذ الأخير لكل إنسان، مع الأمل بأن تكون الأيام القادمة مليئة بالعطاء والبهاء. فالعيد يبقى رغم كل شيء مناسبة لزرع بذور الصلاح والبناء في نفوس أرهقها طول الانتظار والترحال.





Share your opinion
أعياد المغتربين.. أحلام مؤجلة وذكريات تحت وطأة الغربة