Fri 29 May 2026 7:47 am - Jerusalem Time

أوروبا في النظام الدولي: طموح القوة الثالثة ومعضلة التبعية لواشنطن

تتكشف ملامح الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران عن أنماط معقدة من الانخراط الدولي، تتراوح بين المشاركة المباشرة والعزوف الخجول أو محاولات الوساطة. وفي ظل هذا الاستقطاب، تبرز الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في خندق واحد بقيادة واشنطن، بينما تقف روسيا والصين كقوة ثانية موازية تراقب مصالحها المتضررة أو المستفيدة من استمرار النزاع.

تجد القوى الأوروبية الكبرى، وتحديداً فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نفسها في حالة تذبذب مستمر بين الطموح للعب دور القوة الدولية الثالثة، وبين البقاء في وضعية 'الباحة الخلفية' للنظام الدولي الذي تقوده أمريكا. هذا المأزق ليس وليد اللحظة، بل تعمق بفعل الاهتزازات التي ضربت العلاقات الأطلسية خلال فترات إدارة الرئيس دونالد ترامب.

اتسمت سياسة ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين بنوع من الابتزاز المباشر، سواء عبر فرض الرسوم الجمركية أو الضغط لزيادة موازنات الإنفاق العسكري في حلف شمال الأطلسي. وقد وصل الأمر إلى التشكيك في مبدأ الدفاع المشترك، بل والتلويح بضم جزيرة غرينلاند، مما خلق فجوة ثقة عميقة بين ضفتي الأطلسي.

على الصعيد الميداني، ترجمت هذه التوترات إلى إجراءات فعلية مثل سحب آلاف الجنود الأمريكيين من القواعد العسكرية في ألمانيا. هذا الواقع وضع القارة العجوز في حيرة استراتيجية، تجلت بوضوح في البيانات الدبلوماسية الهشة التي تحاول الموازنة بين استرضاء واشنطن والحفاظ على شعرة معاوية مع طهران.

البيان الثلاثي الصادر عن باريس ولندن وبرلين في بداية التصعيد يعكس هذا الارتباك؛ إذ يطالب إيران بوقف هجماتها تحت طائلة الدفاع الضروري، وفي الوقت ذاته يؤكد العمل المشترك مع واشنطن. هذا الخطاب يغفل الجوانب الهجومية ويركز على الدفاع، في إقرار ضمني بالحرج من اتخاذ قرارات صعبة مثل السماح للقاذفات الأمريكية بالانطلاق من القواعد الأوروبية.

تبدو القارة العجوز، رغم عراقتها التاريخية ومؤسساتها الموحدة، عاجزة عن صياغة سياسة خارجية مستقلة تماماً عن الإرادة الأمريكية في ملفات الشرق الأوسط الشائكة. وحتى داخل البيت الأوروبي، يغيب التجانس في المواقف بين العواصم الثلاث الكبرى، حيث يطغى التذبذب والتهرب من الاستحقاقات الاستراتيجية الكبرى.

المشهد الذي جمع ترامب بالمستشار الألماني في البيت الأبيض مؤخراً لخص هذه العلاقة المتأزمة، حيث لم يتردد الرئيس الأمريكي في تقريع ضيفه بسبب التقاعس عن الالتحاق بالحرب. كما امتد التأنيب ليشمل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لم تعد ترى في قادة أوروبا شركاء من طراز ونستون شرشل.

الموقف الإسباني كان الأكثر حدة في مواجهة الضغوط الأمريكية، برفض مدريد استخدام قواعد 'روتا' و'مورون' لشن هجمات ضد إيران، واصفة الحرب بأنها خطأ جسيم أحادي الجانب. هذا الرفض قوبل بتهديدات غليظة من ترامب بقطع العلاقات التجارية، رداً على ما اعتبره تمرداً على التزامات حلف الناتو.

تستحضر هذه الحالة الراهنة ذاكرة الانقسام الأوروبي إبان غزو العراق عام 2003، حين انقسمت القارة بين 'أوروبا القديمة' و'أوروبا الجديدة' التي هرعت لتأييد واشنطن. واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه بصور مختلفة، حيث تظل التبعية الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة هي العائق الأكبر أمام ولادة قوة أوروبية ثالثة ومستقلة.

في نهاية المطاف، تشير المعطيات الصلبة إلى أن الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في القواعد الدولية يفرض واقعاً يصعب تجاوزه من قبل الحكومات الأوروبية. وبين طموح الاستقلال والرضوخ لمتطلبات التحالف، تظل أوروبا تبحث عن هويتها السياسية في عالم تحكمه قوانين القوة والمصالح الرأسمالية الكبرى التي قد تقود المنظومة برمتها إلى مآلات مجهولة.

Tags

Share your opinion

أوروبا في النظام الدولي: طموح القوة الثالثة ومعضلة التبعية لواشنطن

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.