أعلنت الرئاسة الفرنسية رسمياً عودة سفيرها في الجزائر، ستيفان روماتي، لممارسة مهامه الدبلوماسية بعد فترة انقطاع تجاوزت العام. وتأتي هذه الخطوة في سياق محاولات باريس لتهدئة التوترات المتراكمة وإعادة بناء جسور الثقة مع السلطات الجزائرية، حيث سيرافق السفير وفداً رفيع المستوى يضم الوزيرة المنتدبة للجيوش.
ومن المقرر أن تشارك الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش والمحاربين القدامى، أليس روفو، في مراسم إحياء ذكرى مجازر 8 مايو 1945 بمدينة سطيف. وتعد هذه المشاركة خطوة رمزية لافتة، حيث تهدف إلى تكريم ضحايا القمع الاستعماري الذي وقع في تلك الفترة التاريخية الأليمة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الجزائريين.
وأكد قصر الإليزيه في بيان رسمي أن هذه الزيارة تعكس إرادة الرئيس إيمانويل ماكرون في التعامل مع ملف العلاقات الثنائية بنزاهة ووضوح. وأشار البيان إلى أن فرنسا تلتزم باحترام كافة الذاكرات المرتبطة بالتاريخ المشترك، معتبراً أن مواجهة الحقائق التاريخية هي السبيل الوحيد لإقامة علاقات مستقبلية واعدة تخدم مصالح الشعبين.
ووصف البيان الفرنسي أحداث سطيف وقالمة وخراطة بأنها عمليات قمع استهدفت المتظاهرين الجزائريين الذين كانوا يطالبون بحقوقهم تزامناً مع احتفالات تحرير فرنسا من النازية. وأقرت باريس بأن هذه الأحداث تسببت في سقوط آلاف الضحايا، مشددة على أن الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية يعد واجباً أخلاقياً ووطنياً للجمهورية الفرنسية.
وتسعى الوزيرة روفو خلال لقاءاتها مع المسؤولين الجزائريين إلى مناقشة الخطوات المقبلة لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات. كما ستحمل رسالة من الرئيس ماكرون تؤكد الرغبة في استئناف الحوار القنصلي الفعال ومعالجة القضايا العالقة بروح من الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية لكل طرف.
وفي سياق متصل، لفت البيان إلى أن السفير روماتي سيعمل فور استئناف مهامه على تفعيل مبدأ المعاملة بالمثل في كافة جوانب التعاون. كما سيضع السفير ضمن أولوياته ملف المواطن الفرنسي كريستوف غليز، الذي تأمل باريس في عودته قريباً، وسط مؤشرات على إمكانية صدور عفو رئاسي جزائري بحقه.
وكان السفير الفرنسي قد غادر منصبه في أبريل 2025 بناءً على طلب من الرئاسة الفرنسية، وذلك عقب أزمة دبلوماسية حادة شابت العلاقات بين البلدين. وتفاقمت تلك الأزمة بسبب قضايا تتعلق بالنشاط القنصلي واحتجاز موظفين، بالإضافة إلى تباين المواقف السياسية تجاه ملفات إقليمية حساسة مثل قضية الصحراء الغربية.
هذه هي حقيقة تاريخنا، وتتشرف فرنسا بالنظر إليها ومواجهتها.
وشهدت الشهور الماضية حالة من الاستياء الرسمي في الجزائر تجاه السفير روماتي، خاصة بعد ظهوره في وثائقي تلفزيوني اعتبرته الخارجية الجزائرية مسيئاً. واتهمت الجزائر حينها السفارة الفرنسية بخرق الأعراف الدبلوماسية والمشاركة في حملات تهدف للنيل من مؤسسات الدولة الجزائرية عبر ادعاءات غير موثقة.
ورغم التقارير الإعلامية التي وصفت السفير سابقاً بأنه 'غير مرغوب فيه'، إلا أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة تشير إلى انفراجة محتملة. وقد نقلت مصادر عن مسؤولين فرنسيين عدم وجود ممانعة لدى الجانب الجزائري لعودة السفير، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق الدبلوماسي المباشر.
ويرتبط ملف الصحفي الفرنسي كريستوف غليز بشكل وثيق بهذه التطورات، حيث قرر الأخير التخلي عن إجراءات الطعن القانونية في الحكم الصادر ضده. وتعتبر هذه الخطوة القانونية تمهيداً ضرورياً لتمكين الرئيس الجزائري من ممارسة صلاحياته الدستورية في إصدار عفو رئاسي، وهو ما تترقبه الدوائر الدبلوماسية في باريس.
وعلى الصعيد التاريخي، تكتسب ذكرى مجازر 8 مايو أهمية قصوى في الوجدان الوطني الجزائري، حيث تعتبر المنطلق الأساسي لاندلاع الثورة التحريرية الكبرى. وتؤكد التقديرات الرسمية الجزائرية استشهاد 45 ألف مواطن خلال تلك المجازر التي ارتكبتها القوات الاستعمارية رداً على مطالب الاستقلال والحرية.
وكانت المظاهرات قد اندلعت في عام 1945 للمطالبة بتنفيذ الوعود الفرنسية بمنح الجزائر استقلالها مقابل مساهمة أبنائها في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. إلا أن الرد الاستعماري كان دموياً وعنيفاً، مما أدى إلى تحول جذري في الوعي السياسي الجزائري نحو ضرورة الكفاح المسلح لانتزاع السيادة الوطنية.
وتأتي المبادرة الفرنسية الحالية في ظل ضغوط داخلية من قوى سياسية يسارية في باريس تطالب بالاعتراف الرسمي بجرائم الدولة المرتكبة في الجزائر. وسبق لعشرات النواب الفرنسيين أن تقدموا بمقترحات قوانين تدين تلك المجازر وتعتبرها أفعالاً تتنافى مع القيم الإنسانية والعدالة التي تدعي الجمهورية الفرنسية تمثيلها.
ويبقى نجاح هذه الخطوة الدبلوماسية رهيناً بمدى قدرة الطرفين على تجاوز ملفات الذاكرة الشائكة وتحقيق توازن في المصالح الاقتصادية والأمنية. وتراقب الأوساط السياسية في المنطقة مدى جدية باريس في 'مواجهة تاريخها' وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى اعتذار رسمي شامل ينهي عقوداً من التوتر المرتبط بالحقبة الاستعمارية.





Share your opinion
باريس تعلن عودة سفيرها للجزائر وتوفد وزيرة لإحياء ذكرى مجازر 1945