كشفت تقارير صحفية حديثة عن الفوارق الجوهرية في التعاطي الدولي مع ملفي الأسلحة الكيميائية والنووية، حيث تبرز مفارقة تتمثل في حظر الأولى قانوناً واستخدامها فعلياً، مقابل غياب نصوص ملزمة تحظر الثانية مع الامتناع عن استخدامها منذ عقود. وأوضحت المصادر أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي أتمت قرابة ثلاثة عقود على تأسيسها، كانت ثمرة جهود تاريخية طويلة بدأت منذ القرن السابع عشر.
وتعود جذور محاولات تقييد الأسلحة الكيميائية إلى اتفاق فرنسي ألماني عام 1675 نص على منع الرصاص المسموم، تلاه إعلان لاهاي عام 1899 بمبادرة من القيصر الروسي نيكولاي الثاني. وقد استند هذا الرفض المبكر إلى منظومة قيم أخلاقية موروثة عن عصر الفروسية الأوروبي، والتي كانت تعتبر التسميم وسيلة غادرة لا تليق بالقتال الشريف في ساحات المعارك.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، شهد عام 1915 تحولاً دراماتيكياً حين بدأت القوات البريطانية بالرد على الهجمات الألمانية بالغازات السامة. ورغم امتعاض القادة العسكريين حينها، إلا أن الضرورات الميدانية فرضت عليهم تقليد العدو في سلاحه لكسب الحرب، مما فتح الباب أمام استخدام واسع النطاق للسموم في النزاعات الحديثة.
وأثبتت التجارب العسكرية لاحقاً أن الأسلحة الكيميائية لا تمنح تفوقاً حاسماً بين الدول المتقدمة تقنياً، بل تزيد من معاناة الجنود دون تحقيق مكاسب استراتيجية كبرى. وهذا الإدراك كان سبباً رئيسياً في تراجع الاعتماد عليها خلال الحرب العالمية الثانية، رغم الانتهاكات الواسعة للأعراف الدولية التي شهدتها تلك الحقبة من كافة الأطراف.
في المقابل، ظهر السلاح النووي في سياق تاريخي مختلف تماماً، حيث اتسم بقدرة تدميرية هائلة لم تكن محاطة بإرث طويل من الرفض الأخلاقي المسبق. ومع ذلك، كان العلماء والسياسيون يدركون منذ اللحظة الأولى أن الطاقة الذرية تمثل قوة كونية قادرة على إحراق الغلاف الجوي للأرض في حال خروج التفاعلات عن السيطرة.
وفي ربيع عام 1946، قدمت الولايات المتحدة مقترحاً عُرف بتقرير 'آتشيسون-ليلينتال'، والذي هدف إلى وضع كامل سلسلة إنتاج المواد النووية تحت ملكية دولية تابعة للأمم المتحدة. وكان المقترح يتضمن كشف الأسرار النووية للاتحاد السوفييتي مقابل التزام متبادل بوقف إنتاج القنابل الذرية، في محاولة مبكرة لاحتواء السباق النووي.
إلا أن هذه الجهود اصطدمت برفض سوفييتي قاطع، حيث اعتبرت موسكو في عهد جوزيف ستالين أن الأمم المتحدة تخضع للهيمنة الغربية. واشترط السوفييت حينها أن تقوم واشنطن بتدمير ترسانتها النووية أولاً قبل الدخول في أي نظام رقابة دولي، مما أدى إلى وأد فكرة 'خطة باروخ' في مهدها.
خلف النذير القاتم لعصر الذرة، تلوح فرصة قد تمنحنا الخلاص، وإن فشلنا فإننا سنحكم على كل إنسان بأن يعيش رهينة للخوف.
ومع امتلاك الاتحاد السوفييتي للقنبلة الذرية عام 1949، تعقدت المشهد السياسي الدولي ودخل العالم في أتون الحرب الباردة. وأصبح التفكير في نزع السلاح النووي ثانوياً أمام هواجس الضربة الاستباقية، حيث ساد الاعتقاد في الغرب بأن أي تنازل عن التفوق النووي يمثل انتحاراً استراتيجياً أمام القوات التقليدية السوفييتية المتفوقة في أوروبا.
وتشير المصادر إلى أن السلاح النووي ظل يُنظر إليه كعامل حسم عسكري قادر على شل قدرات العدو في ضربة واحدة، بخلاف السلاح الكيميائي. ولهذا السبب، سعت جيوش العالم لامتلاك التكنولوجيا النووية مع تطوير وسائل للحد من آثار الانفجارات، بدلاً من السعي الجاد لحظرها بشكل قانوني شامل.
والمثير للاهتمام في هذا السياق هو وجود 'حظر غير مكتوب' يمنع استخدام السلاح النووي منذ عام 1945، رغم غياب المعاهدات الملزمة. فالدول النووية التي خاضت حروباً كبرى، مثل الولايات المتحدة في فيتنام أو روسيا في أوكرانيا، لم تلجأ لهذا الخيار المدمر خشية العواقب غير المتوقعة والدمار الشامل المتبادل.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الأسلحة الكيميائية التي تحظى بإجماع قانوني على حظرها، استُخدمت في نزاعات إقليمية متعددة، كان أبرزها الحرب العراقية الإيرانية. وهذا يؤكد أن النصوص القانونية وحدها قد لا تكون كافية لردع الاستخدام إذا غاب عامل الردع الوجودي الذي يوفره السلاح النووي.
ويرى محللون أن السلاح النووي محمي بما يمكن وصفه بـ 'قدسية الدمار'، حيث يمثل الخوف من الفناء المتبادل آلية الرقابة الأكثر صرامة في التاريخ الحديث. فغياب آلية الحظر الدولية الشاملة لم يمنع القوى الكبرى من ممارسة ضبط النفس القسري لتجنب نهاية الحضارة الإنسانية.
وتخلص التقارير إلى أن الفارق بين السلاحين يكمن في 'الجدوى العسكرية'؛ فبينما يُعتبر الكيميائي سلاحاً تكتيكياً يسبب معاناة بلا حسم، يظل النووي سلاحاً استراتيجياً يمنع الحرب بوجوده ويحظر نفسه بقدرته التدميرية. وهذا ما جعل العالم يعيش في حالة من السلم المسلح تحت مظلة الردع النووي.
إن الدروس المستفادة من تاريخ الحروب تشير إلى أن القوانين الدولية غالباً ما تتبع الواقع الميداني ولا تسبقه، وفي حالة السلاح النووي، فإن غياب الحظر القانوني الرسمي لم يمنع تشكل عرف دولي صارم ضد استخدامه، وهو ما يمثل أحد أكثر أشكال التنظيم الدولي تعقيداً ونجاحاً في منع الكوارث الكبرى حتى الآن.





Share your opinion
بين الحظر القانوني والردع العملي.. لماذا تغيب المعاهدات الملزمة عن السلاح النووي؟