Mon 27 Apr 2026 1:20 pm - Jerusalem Time

دعوة الغنوشي للحوار من وراء القضبان: مخرج وطني للأزمة أم مناورة سياسية؟

أطلق رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، دعوة جديدة من داخل سجن المرناقية بالعاصمة تونس، للمطالبة بفتح قنوات حوار وطني شامل لا يستثني أي طرف سياسي. وجاءت هذه الدعوة في رسالة نشرت بمناسبة مرور ثلاث سنوات على اعتقاله، حيث أكد فيها أن التوافق على مقاربة وطنية هو السبيل الوحيد لمعالجة الأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد.

وشدد الغنوشي في رسالته على أن فكرة الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود ديمقراطية سياسية حقيقية تضمن التعددية. وأشار إلى أن اعتقاله جاء على خلفية خطاب حذر فيه من الاحتراب الأهلي، معتبراً أن قبول الاختلاف وسماع الآخر هو الضمانة الوحيدة للتعايش السلمي في المجتمع التونسي.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه الغنوشي أحكاماً قضائية مشددة، كان آخرها السجن لمدة 20 عاماً في القضية المعروفة إعلامياً بـ 'المسامرة الرمضانية'. ويرفض رئيس حركة النهضة حضور جلسات المحاكمة، واصفاً إياها بأنها 'تصفية حسابات سياسية' تهدف إلى إقصاء المعارضة من المشهد العام.

من جانبه، أوضح القيادي في حركة النهضة، رياض الشعيبي أن دعوة الغنوشي تنبع من قناعة راسخة بأن الحلول الأمنية لا يمكن أن تنهي الأزمات السياسية. وأضاف الشعيبي أن السلطة الحالية لا تزال تنتهج أسلوباً إقصائياً يتمثل في تكميم الأفواه وحرمان القوى السياسية من التعبير عن آرائها بحرية.

واعتبر الشعيبي أن الحديث عن محاولة الغنوشي العودة للمشهد السياسي عبر هذه الدعوة هو 'مغالطة'، مؤكداً أن قادة المعارضة المسجونين لا يزالون في قلب الفعل السياسي. وأشار إلى أن مواقفهم وآراءهم تؤثر بقوة في الساحة التونسية رغم القيود المفروضة عليهم داخل السجون.

في المقابل، يرى المحلل السياسي المقرب من السلطة، عبد الرزاق الخلولي أن هذه الدعوات تكررت كثيراً دون جدوى في ظل رفض الرئاسة التونسية لها. وأكد الخلولي أن الرئيس قيس سعيد يرفض الحوار مع من يصفهم بـ 'المتآمرين'، معتبراً أن هدف المعارضة هو عرقلة المسار الوطني والهروب من المحاسبة القضائية.

ووصف الخلولي طرح موضوع الحوار في الظروف الراهنة بأنه نوع من 'العبث السياسي' الذي لا ينسجم مع الواقع. وزعم أن حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني تسعيان فقط لإيجاد مخرج لوضعهما الحالي بعد ما وصفه بخسارتهما للحاضنة الشعبية في الشارع التونسي.

وعلى صعيد آخر، يرى الباحث في علم الاجتماع، هشام الحاجي أن هناك حاجة ملحة للحوار لتجنب سياسات التصلب التي قد تؤدي إلى قطيعة نهائية بين السلطة والمجتمع. وحذر الحاجي من أن الوضع الاقتصادي الصعب والتحولات الإقليمية تفرض على الجميع البحث عن قواسم وطنية مشتركة لمواجهة التحديات.

وأشار الحاجي إلى أن السلطة الحالية تعتبر نفسها مسؤولة بمفردها عن إدارة الشأن العام بناءً على تفويض تراه كافياً للاستغناء عن بقية المكونات. ولفت إلى أن الخطاب الرسمي يفتقر إلى تثمين الاختلاف، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في المستقبل القريب.

وتعيش تونس حالة من الضبابية السياسية منذ يوليو 2021، حين اتخذ الرئيس سعيد إجراءات استثنائية شملت حل البرلمان وإلغاء دستور 2014. وبينما تصف المعارضة هذه الخطوات بـ 'الانقلاب'، يراها أنصار الرئيس 'تصحيحاً للمسار' الذي بدأته ثورة الياسمين في عام 2011.

ويربط مراقبون بين توقيت دعوة الغنوشي والضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الحكومة التونسية، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم ونضوب الموارد. ويرى هؤلاء أن الأزمة لم تعد سياسية فحسب، بل امتدت لتشمل الجوانب الاجتماعية والمعيشية للمواطنين بشكل مباشر.

كما لفتت مصادر مطلعة إلى أن الوضع الإقليمي المتوتر، خاصة في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، قد يلقي بظلاله على الداخل التونسي. وهذا ما دفع البعض لاعتبار دعوة الحوار محاولة لاستباق أي تداعيات خارجية قد تزيد من تعقيد المشهد المحلي المأزوم أصلاً.

ورغم تعدد المبادرات السياسية التي طرحتها منظمات نقابية وحقوقية خلال العامين الماضيين، إلا أن أياً منها لم ينجح في كسر الجمود القائم. وتصر السلطة على المضي قدماً في خارطة الطريق التي وضعها الرئيس، بينما تتمسك المعارضة بضرورة العودة إلى المسار الديمقراطي التشاركي.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذه الدعوات على إحداث خرق في جدار الأزمة التونسية، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه. فبينما يراها البعض ضرورة وطنية لإنقاذ البلاد، يراها آخرون مجرد مناورة سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق داخل المعارضة.

Tags

Share your opinion

دعوة الغنوشي للحوار من وراء القضبان: مخرج وطني للأزمة أم مناورة سياسية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.