تشهد جمهورية مالي منعطفاً تاريخياً خطيراً مع تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنها جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' التابعة لتنظيم القاعدة، والتي استهدفت مواقع استراتيجية في العاصمة باماكو ومطارها الدولي. وتأتي هذه التحركات الميدانية بالتنسيق مع فصائل طوارقية، وسط أنباء متواترة عن مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، مما يضع المجلس العسكري الحاكم بقيادة أسيمي غويتا في مواجهة مباشرة مع احتمال انهيار الدولة.
في قلب هذه الأحداث، يبرز اسم إياد أغ غالي، الرجل السبعيني الذي تحول من مقاتل في صفوف الفيلق الإسلامي التابع للقذافي إلى زعيم قد يحكم مالي في حال سقوط النظام الحالي. لا يمثل أغ غالي نمطاً تقليدياً للقيادات الجهادية، إذ تتسم سيرته الذاتية بتقلبات حادة وتجارب ميدانية وسياسية وثقافية جعلت منه شخصية مثيرة للجدل والاهتمام على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولد أغ غالي في أواخر الخمسينيات بقرية بوغاسا شمال مالي، وينتمي لعائلة 'نبيلة' من قبيلة الإيفوغاس العريقة. وقد شكل مقتل والده عام 1963 خلال تمرد الطوارق الأول نقطة تحول مبكرة في حياته، حيث زرع لديه شعوراً بالعداء تجاه السلطة المركزية في باماكو، وهو ما دفعه لاحقاً للهجرة نحو ليبيا هرباً من موجات الجفاف والبحث عن آفاق جديدة.
خلال وجوده في ليبيا عام 1975، التحق أغ غالي بالفيلق الإسلامي وتلقى تدريبات عسكرية مكثفة، وشارك في جبهات قتال خارجية شملت حصار بيروت عام 1982 إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية. كما خاض غمار الحرب الليبية التشادية، وهي تجارب أكسبته خبرة قتالية واسعة وصقلت شخصيته كقيادي ميداني عابر للحدود قبل عودته إلى موطنه الأصلي في أزواد.
المثير في مسيرة أغ غالي هو جانبه الفني والاجتماعي المنفتح خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث كان يُعرف بلقب 'رجل الروك أند رول' لعشقه للموسيقى الغربية والمالية. وقد برع في عزف الغيتار وساهم في تأسيس المشهد الثقافي الطوارقي، بل وكتب كلمات أغنية 'بسم الله' الشهيرة لفرقة تيناريوين، والتي حملت في طياتها بذور مشروعه الثوري والسياسي القادم.
انتقل أغ غالي من الفن إلى العمل السياسي والعسكري المباشر بتأسيسه حركة 'الشعب لتحرير أزواد' عام 1988، حيث قاد هجمات مسلحة أشعلت ثورة الطوارق الكبرى. ومع ذلك، أظهر مرونة سياسية لافتة بتوقيعه على اتفاقيات سلام مع الحكومة المالية، وعمل مستشاراً للرئيس الأسبق ألفا عمر كوناري، مما عكس رغبته في التغلغل داخل مفاصل الدولة الرسمية.
واجه أغ غالي تحديات داخلية وصراعات على الزعامة القبلية، خاصة بعد فشله في الحصول على منصب 'أمنوكال' لقبيلته، وهو ما دفعه للبحث عن مسارات بديلة لفرض نفوذه. ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأ تحوله الديني العميق متأثراً بجماعة التبليغ، حيث تخلى عن حياة الانفتاح وأطال لحيته، وبدأ ينسج علاقات وثيقة مع الدوائر الجهادية الصاعدة في المنطقة.
باسم الله، بدأنا الثورة برفقة إخوتي.. لطرد اللصوص وسحق الأعداء.. سنصعد الجبال هرباً من البؤس.
استثمرت الدولة المالية خبرات أغ غالي وعلاقاته القبلية بتعيينه قنصلاً في مدينة جدة بالسعودية عام 2007، لكنه استغل هذا الموقع للعب دور الوسيط في عمليات تحرير الرهائن الغربيين لدى القاعدة. وقد أثارت هذه الوساطات شكوكاً دولية حول طبيعة علاقاته، خاصة مع تحقيقه مكاسب مالية ضخمة، مما أدى في النهاية إلى طرده من المملكة واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه.
في عام 2012، أسس أغ غالي جماعة 'أنصار الدين' التي سيطرت على مدن الشمال المالي وفرضت فيها رؤية متشددة للشريعة، محظرة الموسيقى التي كان هو نفسه أحد روادها. وبحلول عام 2017، نجح في دمج عدة فصائل تحت لواء 'جماعة نصرة الإسلام والمسلمين'، ليصبح الأمير الفعلي لأكبر تحالف مسلح في منطقة الساحل الإفريقي ومنافسًا شرسًا للنفوذ الفرنسي والروسي.
رغم تحالفه مع القاعدة، يظهر أغ غالي براغماتية عالية في التعامل مع القوى المحلية والدولية، حيث ينسق حالياً مع فصائل أزوادية علمانية لمواجهة الجيش المالي. وفي الوقت نفسه، يحرص على تجنب الصدام المباشر مع القوى الدولية الكبرى مثل روسيا، مصرحاً بأن مشكلته الأساسية تكمن في السلطة الحاكمة في باماكو وحلفائها الميدانيين.
يعيش الزعيم الطوارقي اليوم في حالة من الغموض الاستراتيجي، متوارياً في جبال أدرار الإيفوغاس الوعرة، حيث يدير عملياته العسكرية بعيداً عن الأضواء. وتعتمد استراتيجيته الحالية على استنزاف قدرات الجيش المالي وحلفائه من 'الفيلق الأفريقي' الروسي، مستفيداً من معرفته العميقة بتضاريس الصحراء وشبكة ولائاته القبلية الممتدة.
على الجانب الآخر، تلاحق أغ غالي اتهامات ثقيلة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه في عام 2024. وتتعلق هذه التهم بفترة سيطرة الجماعات المسلحة على تمبكتو، وما رافقها من عمليات تعذيب واضطهاد ديني واعتداءات طالت المدنيين، مما يضعه في قائمة المطلوبين دولياً.
إن صعود إياد أغ غالي مجدداً كلاعب رئيسي في مالي يعكس فشل المقاربات العسكرية السابقة في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل. فالرجل الذي بدأ حياته عازفاً للغيتار ومقاتلاً في لبنان، بات اليوم يمسك بخيوط اللعبة في بلد يترنح تحت وطأة الانقلابات والحروب الأهلية، مما يجعل مستقبله مرتبطاً بقدرته على موازنة طموحاته الجهادية مع واقع التوازنات القبلية والدولية.
يبقى التساؤل القائم حول قدرة أغ غالي على الانتقال من دور 'الأمير الجهادي' إلى دور 'رجل الدولة' في حال نجاحه في السيطرة على باماكو. فالتاريخ المتقلب لهذا الرجل يشير إلى أنه يمتلك قدرة فائقة على التكيف مع المتغيرات، لكن التحديات التي تواجه مالي اليوم قد تكون أكبر من قدرة أي فصيل منفرد على احتوائها دون تسوية سياسية شاملة.





Share your opinion
إياد أغ غالي.. من 'عازف غيتار' في الفيلق الإسلامي إلى مرشح لحكم مالي