تشهد أروقة وزارة الدفاع الأمريكية تحركات مكثفة لبحث إجراءات عقابية ضد عدد من الحلفاء في ناتو، على خلفية ما تصفه واشنطن بالتقصير في تقديم الدعم اللازم خلال المواجهات العسكرية الأخيرة. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات الدولية التي أعادت رسم خارطة الأولويات الأمنية للولايات المتحدة تجاه شركائها التقليديين في القارة الأوروبية.
وكشفت مصادر مطلعة عن وجود مذكرة داخلية في البنتاغون تتضمن مقترحات وصفت بالمثيرة للجدل، من بينها إمكانية تعليق عضوية إسبانيا في الحلف. كما شملت المقترحات مراجعة الموقف الأمريكي الداعم لبريطانيا في ملف جزر فوكلاند، مما يشير إلى تحول جذري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أقرب حلفائها.
في المقابل، سارع مسؤولون داخل حلف شمال الأطلسي إلى التأكيد على أن المعاهدة التأسيسية الموقعة عام 1949 لا تحتوي على أي نصوص قانونية تسمح بطرد أو تعليق عضوية أي دولة. وشددت مصادر دبلوماسية على أن الحلف يقوم على مبدأ التوافق، وأن أي خطوة أحادية من واشنطن قد تهدد وحدة الكيان العسكري بالكامل.
من جانبها، تمسكت الحكومة البريطانية بسيادتها الكاملة على جزر فوكلاند، رداً على التقارير التي أشارت إلى احتمالية مراجعة واشنطن لموقفها. وأوضحت مصادر أن لندن تتابع بقلق التوجهات الجديدة في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالربط بين الدعم العسكري والالتزامات السياسية في ملفات إقليمية بعيدة عن نطاق الحلف.
وجدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انتقاداته الحادة للحلف، واصفاً إياه بـ 'نمر من ورق' لا يلبي التطلعات الأمنية لبلاده. واعتبر ترمب في تصريحات أعقبت لقاءه بالأمين العام للحلف، مارك روته أن العديد من الدول الأعضاء تعتمد بشكل مفرط على القدرات العسكرية والمالية الأمريكية دون تقديم مساهمات حقيقية.
ويرى ترمب أن الحلف فشل في الاختبارات الحقيقية، مشيراً إلى أن 'الناتو لم يكن موجوداً عندما احتجنا إليه'. وقد لوح الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة بإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف إذا لم يقم الأعضاء بتعديل سياساتهم الإنفاقية وتحمل أعباء الدفاع الجماعي بشكل عادل.
تاريخياً، تأسس حلف شمال الأطلسي في واشنطن عام 1949 بمشاركة 12 دولة غربية، وكان الهدف الأساسي منه هو كبح جماح التمدد السوفيتي في أوروبا. ومنذ ذلك الحين، تطور الحلف ليصبح المنظومة الدفاعية الأكبر في العالم، معتمداً على تنسيق الخطط العسكرية والمناورات المشتركة بين أعضائه.
الناتو لم يكن موجوداً عندما احتجنا إليه، وهو مجرد نمر من ورق في ظل تقاعس الحلفاء.
وعلى الرغم من عدم امتلاك الناتو لجيش موحد دائم، إلا أنه يعتمد على القوات الوطنية للدول الأعضاء التي تلتزم بالعمل تحت قيادة مشتركة عند الضرورة. وقد برز دور الحلف في أزمات دولية كبرى، مثل حروب يوغوسلافيا في التسعينيات، حيث تدخل عسكرياً لفرض الاستقرار بالتعاون مع المنظمات الدولية.
يتألف الحلف اليوم من 32 دولة، بعد انضمام فنلندا في عام 2023 والسويد في عام 2024، وهي خطوات جاءت كرد فعل على التغيرات الأمنية في شرق أوروبا. ويشكل انضمام هذه الدول تعزيزاً للجبهة الشمالية للحلف، خاصة مع امتلاك فنلندا لحدود برية طويلة ومباشرة مع الأراضي الروسية.
تعد المادة الخامسة من ميثاق الحلف الركيزة الأساسية التي يقوم عليها، حيث تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على الجميع. ولم تُفعل هذه المادة سوى مرة واحدة في التاريخ، وذلك عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مما سمح للحلفاء بالمشاركة في العمليات العسكرية اللاحقة.
أما المادة الرابعة، فتمنح الأعضاء الحق في التشاور ورفع أي قضية تثير قلقهم الأمني إلى مجلس شمال الأطلسي. وقد تم تفعيل هذه المادة سبع مرات منذ تأسيس الحلف، مما يعكس دورها كأداة سياسية لإدارة الأزمات قبل وصولها إلى مرحلة الصدام العسكري المباشر.
وفيما يخص التمويل، اتفق قادة الناتو على خطة طموحة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ويهدف هذا الاتفاق إلى تقليل الفجوة التمويلية التي تغطيها الولايات المتحدة حالياً، حيث بلغت مساهمتها نحو 980 مليار دولار في عام 2025 وحده.
ويبقى ملف انضمام أوكرانيا إلى الحلف من أكثر القضايا تعقيداً، في ظل المعارضة الروسية الشديدة التي تعتبر هذا التوسع تهديداً وجودياً لأمنها. ورغم الوعود بضم كييف على المدى الطويل، إلا أن الضغوط السياسية الحالية والمواقف المتذبذبة لبعض القادة تضع هذا الملف في حالة من الغموض.
ختاماً، يواجه الناتو اختباراً مصيرياً في ظل التهديدات الأمريكية بإعادة تقييم الشراكة، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في بنية الأمن الأوروبي. وتترقب العواصم الأوروبية الخطوات القادمة لواشنطن، وسط دعوات لتعزيز الاستقلال الدفاعي للقارة بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية.





Share your opinion
إدارة ترمب تلوح بعقوبات ضد حلفاء في الناتو وتشكك في جدوى التحالف