في ظل الطفرة التكنولوجية الهائلة وثورة الذكاء الاصطناعي، لا تزال الممرات المائية التقليدية تفرض سطوتها كعصب رئيسي للتجارة العالمية. وقد أعادت الأزمات المتلاحقة في مضيق هرمز تسليط الضوء على هذه الأهمية الاستراتيجية، خاصة في ظل المواجهة المحتدمة التي تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية.
تدرك القوى العالمية اليوم أنه لا بديل فعالاً لهذه الشرايين الحيوية لضمان تدفق الطاقة والبضائع، وهو ما دفع دولاً عديدة لمراجعة سياساتها تجاه المضايق التي تشرف عليها. هذا التوجه يهدف في جوهره إلى تعزيز الموارد الاقتصادية الذاتية وبسط النفوذ السياسي والعسكري على ممرات كانت تُعتبر تاريخياً مشاعاً دولياً.
تبرز إندونيسيا كلاعب جديد في هذا الملف، حيث كشف وزير ماليتها بوربايا يودي سادوا عن خطط لبدء تحصيل رسوم من السفن العابرة لمضيق ملقا. ويعد هذا المضيق الممر المائي الأكثر ازدحاماً في العالم، وتشترك في الإشراف عليه كل من ماليزيا وسنغافورة إلى جانب جاكرتا.
يمثل مضيق ملقا شريان الحياة الأول للاقتصاد الصيني، إذ تعتمد بكين عليه في تأمين نحو 80% من وارداتها النفطية والغازية. وأي تغيير في قواعد الملاحة بهذا الممر قد يؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة تطال سلاسل الإمداد العالمية وموازين القوى في شرق آسيا.
تثير هذه التحركات قلقاً دولياً واسعاً، كونها تمس مبدأ 'حرية الحركة التجارية والملاحة' الذي أقره قانون البحار برعاية الأمم المتحدة. هذا القانون استند لعقود على معاهدات دولية تضمن مصالح الجميع وتمنع احتكار الممرات المائية من قبل الدول المطلة عليها.
يرى مراقبون أن تآكل هيبة القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة شجع دولاً على التمرد على الأعراف المستقرة. ويُعزى هذا التراجع إلى سياسات القوى الكبرى التي باتت تضرب بالاتفاقيات عرض الحائط، مما فتح الباب أمام الآخرين لفرض سياسات الأمر الواقع.
الاستهتار بالقواعد الدولية لن تقتصر آثاره على الدول الضعيفة فحسب، بل سيمتد ليطال القوى الكبرى التي ستتأثر سلباً بنزاعات 'خصخصة' الممرات المائية. إن تحويل المضايق إلى أدوات للجباية أو الضغط السياسي ينذر بمرحلة من الفوضى الملاحية غير المسبوقة.
إن ضحايا الاستهتار بالقواعد الدولية لن يقف عند حدود فرض القوي سيطرته على الضعيف، بل يمتد لنزاعات حول خصخصة الممرات المائية.
في التجربة التركية، تبرز قناة إسطنبول كبديل استراتيجي لمضيق البوسفور الذي تحكمه اتفاقية مونترو لعام 1936. تسعى أنقرة من خلال هذا المشروع الضخم إلى إيجاد ممر مائي سيادي بالكامل يتيح لها فرض الرسوم التي تراها مناسبة بعيداً عن القيود التاريخية.
بدأت أعمال إنشاء قناة إسطنبول منذ عام 2011 لتكون بمثابة 'مضيق بديل' لا يخضع للمعاهدات التي فرضتها ظروف سياسية وعسكرية قاسية في القرن الماضي. هذا المشروع يعكس رغبة تركيا في استعادة كامل سيادتها الاقتصادية على حركة الملاحة بين البحرين الأسود ومرمرة.
جنوباً، تتوجه الأنظار نحو مضيق باب المندب، حيث تشير تقارير إلى تفكير جماعة أنصار الله في فرض رسوم على السفن العابرة. هذه الخطوة إن تمت، تهدف إلى توفير مصدر دخل مالي مستدام وشرعنة السيطرة الميدانية على واحد من أهم الممرات في العالم.
إذا ما نجحت هذه النماذج في فرض واقع جديد، فلن يكون هناك ما يمنع دولاً مثل المغرب وإسبانيا من المطالبة برسوم مماثلة في مضيق جبل طارق. هذا المنطق التوسعي في السيادة المائية قد يحول الخرائط البحرية إلى مربعات نفوذ مغلقة.
إن خطورة تحصيل الرسوم لا تتوقف عند الجانب المالي، بل هي مقدمة لبسط السيادة الكاملة التي تمنح الدولة حق السماح أو المنع. هذا التحول ينطوي على مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى فرض حصار بحري شامل على دول أو جهات معينة في حالات النزاع.
إعاقة مرور السفن العسكرية في المضايق الحيوية هو الخط الأحمر الذي قد يفجر صراعات دولية كبرى، حيث لن تقبل القوى العظمى بتقييد حركتها البحرية. نحن أمام فصل جديد من الصراع الدولي قد يعيد تشكيل مفهوم 'المياه الدولية' بشكل جذري.
في الختام، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة من 'القومية المائية' التي تهدد استقرار التجارة العالمية الذي دام لعقود. إن غياب الرادع القانوني الدولي قد يحول المضايق من جسور للتواصل إلى خنادق للمواجهة الاقتصادية والعسكرية.





Share your opinion
صراع المضايق: هل يواجه العالم نهاية عصر الملاحة الحرة؟