Sun 26 Apr 2026 2:35 pm - Jerusalem Time

تصعيد عسكري واسع في مالي: المسلحون يسيطرون على كيدال وتنسيق ميداني يربك باماكو

تواجه مالي موجة جديدة من الاضطرابات الأمنية المتسارعة عقب هجمات واسعة النطاق استهدفت العاصمة باماكو ومدناً رئيسية في الشمال، مما يضع منطقة الساحل برمتها أمام منعطف خطير. هذه التطورات تأتي في ظل توتر دبلوماسي حاد بين باماكو والجزائر، حيث تسود حالة من القطيعة شبه التامة نتيجة المواقف السياسية والعسكرية الأخيرة للسلطة الانتقالية في مالي.

وأعلنت جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتعاون مع مقاتلي 'جبهة تحرير أزواد'، عن تنفيذ عمليات عسكرية متزامنة ضربت مواقع سيادية ومطارات عسكرية. وقد تركزت هذه الهجمات في قلب العاصمة باماكو، مما يعكس تطوراً نوعياً في قدرة الجماعات المسلحة على اختراق التحصينات الأمنية الحكومية والوصول إلى مراكز القرار.

من جانبه، أقر الجيش المالي بتعرض وحداته لهجمات مباغتة بدأت فجر السبت، مشيراً إلى اندلاع اشتباكات ضارية في مناطق كاتي وغاو وسيفاري. وفي تطور ميداني بارز، أكدت مصادر ميدانية نجاح مسلحي الطوارق في استعادة السيطرة الكاملة على مدينة كيدال، التي تمثل الرمز التاريخي والعاصمة التقليدية لإقليم الأزواد شمال البلاد.

ويرى مراقبون أن هذه الهجمات هي الأكثر تعقيداً منذ اندلاع الأزمة الأمنية في مالي عام 2012، خاصة أنها تأتي بعد وعود متكررة من المجلس العسكري الحاكم بالقضاء على التهديدات الإرهابية. كما يتزامن هذا التصعيد مع تراجع الحضور الغربي في المنطقة وتوجه باماكو نحو تعزيز شراكتها العسكرية مع روسيا، مما أضاف تعقيدات جديدة للمشهد الإقليمي.

وفي تحليل لهذه التطورات، أوضح الخبير الأمني أكرم خريف أن التنسيق العلني بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يعد سابقة في الصراع المالي. وأشار خريف إلى أن هذا التحالف الميداني يهدف إلى تشتيت قدرات الجيش المالي وحلفائه، رغم التباين الأيديولوجي والأهداف النهائية لكل طرف من الأطراف المشاركة في الهجوم.

وبحسب القراءة الأمنية، فإن نتائج العمليات كانت متفاوتة؛ حيث فشلت الجماعات المصنفة إرهابياً في السيطرة على مواقع استراتيجية في باماكو أو قطع الطرق الحيوية المؤدية إليها. في المقابل، حققت القوى الأزوادية نصراً رمزياً وعسكرياً كبيراً باستعادة كيدال، وهو ما يعيد المشهد الميداني إلى سيناريوهات مشابهة لما حدث قبل أكثر من عقد من الزمان.

واعتبر خريف أن سيطرة الأزواد على مدن الشمال تضعف نفوذ الحلفاء المحليين للحكومة المالية وتعرقل أي خطط مستقبلية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق في المدى المنظور. كما أن تأمين هذه المناطق قد يمهد الطريق لعودة آلاف اللاجئين الماليين المتواجدين في دول الجوار، وهو هدف معلن تسعى إليه جبهة تحرير أزواد لتثبيت شرعيتها الميدانية.

وعن الانعكاسات على الأمن القومي الجزائري، استبعد الخبير الأمني وجود تهديد مباشر، بل اعتبر أن توزيع الأدوار بين الجماعات المسلحة قد أبعد النشاط الإرهابي مئات الكيلومترات عن الحدود. هذا الابتعاد يقلص من فرص الاحتكاك المباشر أو التسلل عبر الحدود الجنوبية للجزائر، مما يوفر نوعاً من الاستقرار النسبي في تلك المناطق الوعرة.

كما لفتت المصادر إلى تراجع الوجود العسكري الروسي قرب الشريط الحدودي مع الجزائر، حيث انسحبت القوات المرتبطة بموسكو لمسافة تزيد عن 150 كيلومتراً إلى الداخل المالي. هذا التراجع جاء بعد مراجعة روسيا لمقاربتها في المنطقة واستبدال عناصر 'فاغنر' بالفيلق الروسي، وهو تطور تراه الجزائر إيجابياً في ظل رفضها الدائم للتدخلات الأجنبية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تعيش العلاقات بين الجزائر وباماكو أسوأ مراحلها، خاصة بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية اخترقت الأجواء الجزائرية في أبريل 2025. تلك الحادثة فجرت أزمة دبلوماسية أدت إلى سحب السفراء، وزادت من حدة الاتهامات المالية للجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم فصائل المعارضة الشمالية.

وكان المجلس العسكري في مالي قد وجه ضربة قاصمة لجهود الوساطة الإقليمية في يناير 2025 بإعلانه إنهاء العمل بـ 'اتفاق الجزائر للسلام' الموقع عام 2015. واتهمت باماكو حينها الجزائر بالقيام بأعمال عدائية، وهو ما رفضته الخارجية الجزائرية جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن جهودها كانت تهدف دائماً للحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي المالية.

ورغم التوتر مع مالي، نجحت الجزائر في ترميم علاقاتها مع دول أخرى في الساحل مثل النيجر، حيث وقعت مؤخراً اتفاقات اقتصادية وتجارية هامة. هذا التباين في العلاقات يعكس تعقيد الدور الجزائري في منطقة الساحل، حيث تحاول الموازنة بين حماية حدودها ودعم الاستقرار الإقليمي بعيداً عن الحلول العسكرية الصرفة التي تنتهجها باماكو.

وفي الختام، يبدو أن الخارطة الجيوسياسية في مالي تتشكل من جديد، مع عودة القوى الأزوادية لفرض سيطرتها على الشمال وتراجع نفوذ الحكومة المركزية في تلك المناطق. هذا الواقع الجديد يفرض تحديات أمنية وسياسية كبرى على دول الجوار، التي تراقب بحذر مآلات الصراع وتأثيره على تدفق اللاجئين ونشاط الجماعات العابرة للحدود.

Tags

Share your opinion

تصعيد عسكري واسع في مالي: المسلحون يسيطرون على كيدال وتنسيق ميداني يربك باماكو

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.