Sat 25 Apr 2026 12:20 pm - Jerusalem Time

الرحلة 655: الجرح الإيراني المفتوح وصاروخ 'فينسينس' الذي لم يعتذر

في صبيحة الثالث من يوليو عام 1988، أقلعت رحلة الخطوط الجوية الإيرانية رقم 655 من مطار بندر عباس في طريقها إلى دبي، حاملة على متنها 290 مسافراً كانوا يتطلعون لرحلة قصيرة لا تتجاوز نصف الساعة. لم تكن الطائرة تعلم أن طراد الصواريخ الموجهة التابع للبحرية الأمريكية 'يو إس إس فينسينس' يتربص في مياه الخليج، ليطلق صواريخه التي حولت الرحلة المدنية إلى حطام في قاع البحر.

وصفت واشنطن الحادثة حينها بأنها 'مأساة مؤسفة' نتجت عن خطأ في تحديد هوية الطائرة، حيث زعم الطاقم الأمريكي اعتقاده بأنها مقاتلة إيرانية من طراز 'إف-14'. ورغم هذا التبرير، إلا أن طهران رفضت الرواية جملة وتفصيلاً، معتبرة أن استهداف طائرة ركاب في ممر جوي مدني معروف هو جريمة متعمدة لا يمكن اختزالها في سوء تقدير عسكري.

وقعت الحادثة في ذروة التوتر بـ 'حرب الناقلات' خلال المراحل الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية، حيث كانت المنطقة تشهد استنفاراً عسكرياً أمريكياً غير مسبوق. وقد ساهمت حوادث سابقة، مثل إصابة الفرقاطة 'يو إس إس ستارك' بصواريخ عراقية، في رفع حساسية القوات الأمريكية وتعديل قواعد الاشتباك لتصبح أكثر عدوانية تجاه أي تهديد محتمل.

تشير الوثائق التاريخية إلى أن الطراد 'فينسينس' كان منخرطاً في مناوشات مع زوارق إيرانية قبل لحظات من إقلاع الرحلة 655 التي تأخرت عن موعدها بنحو 30 دقيقة. وبحسب ملف القضية أمام محكمة العدل الدولية، فإن الطائرة كانت تصعد في مسارها الطبيعي وتبث إشارات مدنية واضحة، مما يدحض الرواية الأمريكية حول سلوكها الهجومي.

على متن تلك الرحلة المنكوبة، كان هناك 65 طفلاً وعائلات كانت تقصد دبي للتسوق وقضاء العطلات، مما أضفى طابعاً إنسانياً مأساوياً على الكارثة. ورغم أن السفينة الأمريكية أرسلت تحذيرات لاسلكية، إلا أن الطائرة المدنية لم تستجب، وهو ما برره الخبراء لاحقاً باختلاف الترددات بين الطيران المدني والعسكري وضيق الوقت المتاح للرد.

أصدر القبطان ويليام روجرز أمره بإطلاق صاروخين أرض-جو، مما أدى إلى تدمير الطائرة فوراً ومقتل جميع من كان على متنها دون ناجٍ واحد. دافع القادة العسكريون في واشنطن عن القرار، مؤكدين أن القبطان كان يحمي سفينته وطاقمه من خطر وشيك، وهو ما أيده رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك الأميرال ويليام كرو.

الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وصف الحادثة بأنها 'مأساة إنسانية مروعة'، لكنه أصر على أن السفينة تصرفت في إطار الدفاع عن النفس. هذا الموقف المتصلب زاد من حنق طهران، التي رأت في التقنيات المتطورة للطراد الأمريكي دليلاً على استحالة وقوع مثل هذا الخطأ التقني الفادح في تمييز حجم الطائرة ومسارها.

وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت، علي أكبر ولايتي، وصف إسقاط الطائرة بأنه 'جريمة كبرى' تتحمل مسؤوليتها القوات الأمريكية بشكل كامل. واعتبرت طهران أن دخول الطراد للمياه الإقليمية الإيرانية واستهداف طائرة مدنية هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية لا يمكن التغاضي عنه تحت ذريعة ضغوط القتال.

ساهمت هذه الفاجعة بشكل غير مباشر في تسريع نهاية الحرب الإيرانية العراقية، حيث تعززت القناعة لدى القيادة الإيرانية بأن التدخل الأمريكي المباشر أصبح حتمياً. وخشيت طهران من أن استمرار النزاع سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية في ظل الانحياز الأمريكي الواضح، مما دفعها للموافقة على وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة.

في عام 1989، نقلت إيران المعركة إلى الساحة القانونية برفع دعوى ضد الولايات المتحدة أمام محكمة العدل الدولية، مطالبة بالعدالة والتعويض. وبعد سنوات من المداولات الشاقة، انتهت القضية بتسوية مالية عام 1996، دفعت بموجبها واشنطن 61.8 مليون دولار لعائلات الضحايا، لكنها رفضت تقديم اعتذار رسمي أو الاعتراف بالمسؤولية القانونية.

بالنسبة للإيرانيين، لم تكن التعويضات المالية كافية لمحو أثر الجريمة، وظلت الرحلة 655 رمزاً لغياب العدالة الدولية وانحياز القوى الكبرى. وتحول الرقم 290 إلى أيقونة وطنية تذكر العالم بضحايا 'الإرهاب الأمريكي' كما تصفه الأدبيات السياسية في طهران، وبقيت الحادثة حاضرة في المناهج والخطابات الرسمية.

عاد صدى الحادثة بقوة في يناير 2020، عندما هدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بضرب 52 موقعاً إيرانياً رداً على مقتل قاسم سليماني. حينها، رد الرئيس الإيراني حسن روحاني بتغريدة شهيرة قال فيها: 'على من يشير إلى الرقم 52 أن يتذكر أيضاً الرقم 290'، في إشارة واضحة لضحايا الطائرة المنكوبة.

هذا الاستحضار السياسي للرقم 290 يؤكد أن قضية الرحلة 655 لم تغلق بانتهاء المداولات القانونية أو دفع الأموال، بل أصبحت جزءاً من الهوية السياسية الإيرانية. وتستخدم طهران هذه الذكرى في كل مواجهة دبلوماسية للتذكير بما تصفه بـ 'السجل الدموي' للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي.

في الختام، تظل قصة الرحلة 655 شاهداً على مآسي الحروب التي يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء نتيجة قرارات عسكرية متسرعة أو حسابات سياسية معقدة. إنها ليست مجرد حادثة جوية في أرشيف الثمانينيات، بل هي جرح سياسي ورمزي مفتوح يستعاد كلما وصلت العلاقات بين طهران وواشنطن إلى حافة الانفجار.

Tags

Share your opinion

الرحلة 655: الجرح الإيراني المفتوح وصاروخ 'فينسينس' الذي لم يعتذر

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.