يصدر قريباً عن دار 'مؤمنون بلا حدود' كتاب جديد للباحث نجيب جورج عوض بعنوان 'من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية'، حيث يسعى المؤلف عبر 384 صفحة إلى إعادة فحص الأسس المعرفية التي شكلت خطاب الاستشراق وتحولاته النقدية. يتناول الكتاب لعبة القراءة بين ما يسميه 'المعرفة المبهمة' و'العلمية المنحولة'، متتبعاً الأثر العميق الذي تركه إدوارد سعيد في الدراسات الثقافية العالمية.
تتجاوز هذه القراءة النقدية مجرد استعراض إرث سعيد، لتنفذ إلى طبقات الجدل النظري المعقد الذي نشأ حول أطروحاته. ويناقش عوض كيف تحول نقد الاستشراق من مجرد تفكيك لهيمنة الخطاب الغربي إلى مشروع معرفي شامل يسائل آليات إنتاج الحقيقة والعلاقة بين السلطة والثقافة في عالم ما بعد الإمبراطوريات.
يركز الكتاب على نقد إدوارد سعيد للخطاب الغربي حول العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر، مبيناً كيف فرض الغرب نمطاً ثقافياً مركزياً على شعوب العالم الثالث. وقد استند سعيد في تحليله إلى مفهوم 'الخطاب' عند ميشيل فوكو، معتبراً أن الاستشراق هو الأداة التي مكنت الثقافة الغربية من 'إنتاج' الشرق وتدبير شؤونه سياسياً وعسكرياً.
تأثر سعيد بمنهجيات فلسفية كبرى، حيث استلهم من جاك ديريدا أدوات التفكيك للكشف عن التمركزات الثقافية الغربية، ومن أنطونيو غرامشي مفهوم 'التسلط الثقافي'. هذا المزيج المعرفي سمح له بتبيان كيف كرس الاستشراق فكرة التفوق الغربي مقابل التخلف الشرقي، مما جعل الغرب هو 'العقل والمركز' والشرق هو 'الآخر' التابع.
يشير المؤلف إلى أن الإمبريالية الغربية استخدمت شعارات 'التنوير والتحضر' كذريعة للتوسع والاستغلال وتهميش الثقافات المحلية. ويرى أن المنتجات الثقافية الغربية العظيمة قد تحمل في طياتها وجهات نظر سياسية تسلخ الإنسانية عن غير الأوروبيين، وتصورهم كشعوب دونية تحتاج دوماً إلى وصاية المستعمر 'المتحضر'.
يفرد الكتاب مساحة واسعة لنقد الباحث وائل حلاق لإدوارد سعيد، خاصة في كتابه 'إعادة صياغة الاستشراق' الصادر عام 2020. يتهم حلاق زميله الراحل بالفشل في سبر أغوار أنماط المعرفة التي يتأسس عليها الاستشراق، معتبراً أن نقد سعيد كان 'تعميمياً' وافتقر إلى الراديكالية الكافية لمواجهة هيكليات الهيمنة العميقة.
يرى حلاق أن مشكلة سعيد تكمن في عدم اتخاذ موقف 'ماهوي' صارم ضد الاستشراق، وأنه انتقى نماذج من المستشرقين لا يمثلون بالضرورة الإطار الشمولي للهيمنة الكولونيالية. وبحسب هذا المنظور، فإن الحداثة الغربية هي الكولونيالية ذاتها، وكان على سعيد 'شيطنة' هذه الحداثة بدلاً من الاكتفاء بنقد تمظهراتها الأدبية.
ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه خطاباً، فلن يكون في وسعنا أبداً أن نفهم الفرع المنظم الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تنتج الشرق سياسياً وعقائدياً.
يعيد نجيب عوض قراءة هذا التصادم الفكري بين سعيد وحلاق بوصفه 'لعبة قراءة' تجري داخل الفضاء الأكاديمي الأنجلوفوني. ويلاحظ أن هذا التباين يعكس ثنائية المؤلف والقارئ، حيث يحاول حلاق تحقيق ما يعتقد أن سعيد فشل في إنجازه، وهو تقديم نقد اكتساحي وشامل للمنظومة المعرفية الغربية.
ينتقل الكتاب إلى تسليط الضوء على مساهمة طلال أسد، عالم الأنثروبولوجيا الذي قدم نقداً تفكيكياً للاستشراق قبل خمس سنوات من صدور كتاب سعيد الشهير. ففي عام 1973، بادر أسد بمساءلة علاقة علم الأنثروبولوجيا بالكولونيالية، معتبراً إياه أداة لخدمة الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط.
يعد خطاب طلال أسد 'مانيفستو مضاد' مبكر، حيث ظهرت العديد من عناصره لاحقاً في كتابات إدوارد سعيد. والفرق الجوهري بينهما هو أن سعيد ركز على نقد الأدب والنظرية النقدية، بينما وضع أسد الاستشراق في قلب 'علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية' بوصفه نتاجاً مباشراً لعلاقات القوة الاستعمارية.
يؤكد أسد في أطروحاته أن أي موضوع يخضع للدراسة هو نتاج علاقات هيمنة، وإهمال هذه الحقيقة يؤدي إلى سوء فهم طبيعة العلم ذاته. ويرى أن الأنثروبولوجيا الغربية ولدت من رحم الكولونيالية، وهي تمثل الفهم الأوروبي للبشر غير الأوروبيين ضمن سياق السيطرة والتحكم.
يتوقف الكتاب عند الجدل بين النقد السعيدي والمراجعات اللاحقة التي حاولت تجاوز حدود القراءة الأولى نحو مساءلة أشمل للحداثة. هذه المراجعات تسعى لكشف الخطابات التي تدعي التحرر بينما قد تعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة ومستترة تحت غطاء الأكاديمية والعلمية.
يضيء النص على التأسيس النظري لبراديغم 'ما بعد الكولونيالية' كحقل نقدي متعدد الأبعاد، لا يكتفي بمقاومة الاستعمار العسكري، بل يمتد لتفكيك بقاياه الثقافية. ويشدد المؤلف على أهمية فهم هذه التحولات المعرفية لاستيعاب كيفية تشكل الوعي المعاصر بالهوية والغيرية في ظل العولمة.
في الختام، يمثل كتاب نجيب جورج عوض إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل الفلسفي العميق. ويدعو الكتاب الباحثين العرب إلى إعادة تقييم علاقتهم بالمناهج الغربية، وضرورة بناء رؤية نقدية ترفض التبعية المعرفية وتؤسس لفضاء ثقافي تعددي حقيقي.





Share your opinion
تفكيك الاستشراق ومساءلة ما بعد الكولونيالية: قراءة في أطروحات نجيب جورج عوض