سلطت صحيفة هآرتس العبرية الضوء على حالة صارخة من ازدواجية المعايير داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وذلك في أعقاب رد الفعل الرسمي تجاه تحطيم جندي لتمثال السيد المسيح في جنوب لبنان. وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الاهتمام المفاجئ بالرموز الدينية يأتي في وقت تتجاهل فيه السلطات انتهاكات أكثر جسامة يرتكبها الجنود بشكل يومي في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
وأفادت مصادر بأن قيادة الجيش قررت وقف المهام القتالية لجنديين تورطا في حادثة التمثال، حيث قام أحدهما بالتحطيم والآخر بالتصوير، مع فرض عقوبة السجن لمدة ثلاثين يوماً فقط. ورغم موجة الانتقادات الدولية الواسعة التي اعتبرت الحادثة مساساً خطيراً بالمقدسات، إلا أن القرار العسكري لم يتضمن تسريح الجنديين من الخدمة، مما يعكس طابعاً تجميلياً للعقوبة.
ويرى مراقبون أن مسارعة القادة الإسرائيليين للإدانة تنبع من حساسية سياسية تجاه المجتمع الدولي والمسيحيين، خاصة بعد توترات سابقة شملت منع البطريرك اللاتيني في القدس من الوصول لكنيسة القيامة. وتحاول الحكومة الإسرائيلية عبر هذه الإدانات تخفيف الضغط الدولي المتزايد والتدقيق في سياساتها تجاه الأقليات الدينية والرموز المقدسة في المنطقة.
وفي المقابل، انتقد التقرير التراجع الحاد في معايير المحاسبة داخل جيش الاحتلال منذ بدء العدوان الواسع في عام 2023، حيث باتت الجرائم الموثقة تمر دون عقاب يذكر. وأكدت الصحيفة أن القادة العسكريين لم يعودوا ينظرون إلى سلوكيات الجنود المنحرفة بوصفها أفعالاً مشينة تستوجب الملاحقة القانونية الصارمة.
ووثق جنود الاحتلال بأنفسهم مئات المقاطع المصورة التي تظهر اقتحام المنازل الفلسطينية في قطاع غزة والعبث بمحتوياتها بشكل استفزازي ومهين. وشملت هذه المقاطع ارتداء ملابس المدنيين والتقاط صور تذكارية بجانب جثث الشهداء وكتابة شعارات انتقامية على الجدران، دون أن يصدر أي تعليق رسمي يدين هذه الممارسات اللاإنسانية.
القيادة الإسرائيلية لم تعد تتعامل مع حالات سوء السلوك من الجنود بوصفها أحداثاً خطيرة أو مشينة منذ اندلاع الحرب.
وتطرقت الصحيفة إلى قضية معتقل سدي تيمان، حيث كشفت تسريبات عن اعتداءات جنسية وجسدية مروعة تعرض لها أسرى فلسطينيون على يد جنود إسرائيليين. وبدلاً من محاسبة المتورطين، أعاد الجيش بعضهم إلى الخدمة العسكرية، في خطوة تعكس استهتاراً كاملاً بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان الأساسية.
وزاد من حدة الجدل الموقف السياسي الرسمي، حيث وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفيديوهات المسربة من المعتقلات بأنها مجرد حملة دعائية وافتراءات تهدف لتشويه صورة الجيش. هذا الدفاع المستميت عن الجنود المتورطين في جرائم حرب يعزز بيئة الإفلات من العقاب ويشجع على مزيد من الانتهاكات في الميدان.
وأشارت التحليلات إلى أن الحكومة الحالية تعتمد استراتيجية توظيف التهديدات الخارجية لتعزيز الجبهة الداخلية، وهو نهج تتبعه الأنظمة الاستبدادية للهروب من الأزمات. هذا التسييس الواضح للصراع يجعل من حماية الجنود المذنبين أولوية سياسية تفوق الالتزام بالمعايير الأخلاقية أو القانونية التي يدعي الاحتلال التزامه بها.
ويبقى التناقض بين حماية تمثال في لبنان واستباحة دماء المدنيين في غزة شاهداً على عمق الأزمة الأخلاقية في المؤسسة الإسرائيلية. فبينما يتم التحرك بسرعة لإرضاء الرأي العام العالمي في قضايا رمزية، تظل الجرائم الممنهجة ضد الفلسطينيين سياسة رسمية تحظى بغطاء سياسي وعسكري كامل.
وخلص التقرير إلى أن استمرار الاحتلال في السيطرة على أراضٍ فلسطينية ولبنانية وسورية يمثل جوهر الصراع المفتوح في المنطقة. ومع رفض إسرائيل الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والانسحاب إلى حدود عام 1967، تظل احتمالات التصعيد قائمة في ظل غياب أي أفق للمحاسبة أو العدالة الدولية.





Share your opinion
هآرتس تكشف ازدواجية الاحتلال: غضب من تحطيم تمثال بلبنان وصمت مطبق تجاه مجازر غزة