حين وضعت الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها، ساد اعتقاد بأن البلاد دخلت حقبة جديدة من السلم وإعادة الإعمار واستعادة هيبة الدولة. غير أن الواقع أثبت أن صمت البنادق لم يكن كافياً لدفن آليات الحرب التي تغلغلت في عمق النسيج الاقتصادي والسياسي، حيث أعاد منطق القتال إنتاج نفسه بأشكال مؤسساتية أكثر هدوءاً ورسوخاً.
خلال سنوات النزاع، لم تكن خطوط التماس مجرد جبهات عسكرية، بل تحولت إلى أسواق وممرات ومراكز جباية غير شرعية. ونشأت حول هذه الخطوط شبكات مصالح معقدة شملت قطاعات المحروقات والطحين والدواء، بالإضافة إلى عمليات التهريب والحماية التي أدارتها القوى المسلحة بعيداً عن رقابة الدولة وتفكك مؤسساتها.
ومع غياب السلطة المركزية، تصدرت الميليشيات المشهد لإدارة حياة المواطنين اليومية، فسيطرت على توزيع الموارد وتحكمت في المرافئ غير الرسمية والمعابر الحيوية. هذا الوضع ولد اقتصاداً كاملاً قائماً على الفوضى والوساطة، حيث أصبح الربح مرتبطاً بالقدرة على تحويل الأزمات المعيشية إلى موارد مالية ونفوذ سياسي.
شهدت تلك الحقبة ظهور أنماط من الثراء السريع المرتبط بالاحتكار والجباية القسرية على الحواجز الأمنية، مما منح هذه البنية وقتاً كافياً للتجذر. ومع مرور السنوات، لم يعد الهدف تمويل العمليات العسكرية فحسب، بل نشأت مصالح اقتصادية حقيقية لمستفيدين وجدوا في استمرار ضعف المؤسسات فرصة لاستدامة نفوذهم.
بعد اتفاق الطائف، لم يغادر أصحاب النفوذ المشهد السياسي، بل انتقلوا من 'المتراس' إلى داخل المؤسسات الرسمية عبر تحالفات وتسويات إقليمية ومحلية. ورغم تغير المظاهر واللغة السياسية، ظلت شبكات الولاء والزبائنية تعمل بالمنطق ذاته، حيث تم التعامل مع الدولة كمساحة لتوزيع الحصص لا كإطار جامع للمواطنة.
لقد افتقد الانتقال السياسي في لبنان إلى محاسبة فعلية للاقتصاد الموازي الذي ازدهر إبان الحرب، مما سمح بولادة صيغة هجينة تجمع بين الدولة ومراكز قوى تعمل داخلها وخارجها. وأصبح الزعيم المحلي قادراً على ممارسة وظائف الحرب القديمة من خلال التحكم بالعقود العامة والتوظيفات والوساطات الخدمية.
الحرب لا تنتهي فعلاً بمجرد صمت البنادق، بل تبقى آلياتها حية في الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلاقات بين الناس والدولة.
جاء قانون العفو العام كجزء من صيغة إنهاء النزاع المسلح، لكنه ساهم في طي الصفحة سياسياً دون معالجة منظومة المصالح العميقة. وبسبب غياب العدالة الانتقالية، لم يتم الكشف عن مسارات التمويل والنهب، مما أتاح لشبكات الحرب استعادة مواقعها الحيوية داخل الإدارة العامة والاقتصاد الوطني.
في مرحلة إعادة الإعمار، كان من المفترض الانتقال إلى منطق التخطيط والتنمية المتوازنة، إلا أن هذه العملية تحولت بحد ذاتها إلى ساحة نفوذ جديدة. ودخلت الاستثمارات الكبرى والسياسات العقارية في صلب المحاصصة، حيث غابت الرؤية الوطنية لصالح شبكات السمسرة والتوازنات الطائفية الضيقة.
استمر وجه الحرب الاقتصادي في التجلي عبر السيطرة على قطاعات الاتصالات والمرافئ والأملاك العامة، حيث أصبح التربح مرتبطاً بالنفوذ السياسي لا بالكفاءة الإنتاجية. وبقي المواطن مضطراً للعودة إلى 'الزعيم' للحصول على حقوقه الأساسية، مما كرس مفهوم الخدمة كبديل عن الحق القانوني والمؤسساتي.
المشكلة في لبنان لم تكن إدارية فحسب، بل تمثلت في بقاء منطق الحرب الذي يقوم على الخوف واعتبار الجماعة الطائفية هي الملاذ الأول والأخير. هذا المنطق جعل من الدولة 'غنيمة' موزعة بين القوى النافذة، مما يفسر العجز المستمر عن بناء مؤسسات مستقلة قادرة على مواجهة الفساد المتجذر.
إن الأزمات المتعاقبة التي يعيشها لبنان اليوم ليست انحرافات طارئة، بل هي امتداد طبيعي لإرث لم يُهزم نهائياً، بل ارتدى ثياب السياسة والاقتصاد. فالفساد والزبائنية هما الأدوات الجديدة لمنظومة قديمة عرفت كيف تحافظ على بقائها من خلال التغلغل في مفاصل القرار والتحكم بالموارد.
في الختام، لم يكن ما بعد الحرب في لبنان انتقالاً نظيفاً نحو بناء الدولة، بل كان تسوية أوقفت القتال دون اقتلاع جذوره السياسية والاقتصادية. وتبقى آثار تلك الحقبة حاضرة في ذاكرة اللبنانيين، حيث يواجهون واقعاً تديره قوى تتقن فنون المحاصصة أكثر مما تتقن بناء المؤسسات الضامنة للعدالة والاستقرار.





Share your opinion
من المتراس إلى السلطة.. كيف أعادت الحرب إنتاج نفسها في بنية الاقتصاد اللبناني؟