تمر مئة عام ونيف على تأسيس الرابطة القلمية في مدينة نيويورك، تلك الجمعية الأدبية التي أحدثت ثورة في الأدب العربي الحديث على يد نخبة من الأدباء السوريين واللبنانيين. وقد حرص مؤسسوها، وعلى رأسهم ميخائيل نعيمة، على أن يكون الانتساب إليها شرفاً لا يناله إلا من يثبت جدارته في إثراء الخزينة الأدبية العامة. ورغم أن أعضاءها العشرة انحدروا من أصول جغرافية ومذهبية محددة، إلا أنهم نجحوا في صهر هذه الانتماءات في بوثقة إنسانية جامعة.
يرجح الباحثون أن جبران خليل جبران هو من اختار اسم 'الرابطة القلمية' لنفي أي شبهة إقليمية أو طائفية عن الجماعة، حيث ضمت في عضويتها سبعة لبنانيين وثلاثة سوريين من مدينة حمص. وبالرغم من خلفياتهم المسيحية، إلا أنهم تأثروا بعمق بالثقافة الإسلامية المحيطة بهم، وظهر ذلك جلياً في تقديسهم للقلم كأداة معرفية أولى، مستلهمين الرموز الدينية والأدبية التي ترفع من شأن الكتابة كفعل خلق ذهني وبصيرة نافذة.
يتجلى هذا التأثر الثقافي في شعار الرابطة الذي صممه جبران بنفسه، حيث تضمن دائرة يتوسطها كتاب مفتوح نُقشت عليه عبارة 'لله كنوز تحت العرش مفاتيحها ألسنة الشعراء'. وقد أثار هذا الشعار، بما يحمله من رموز مثل السراج والمحبرة والشمس المشرقة، تساؤلات حول الأبعاد الفلسفية والروحية التي أراد الأدباء تكريسها في نتاجهم المهجري، والتي مزجت بين التراث العربي والرؤى الكونية الحديثة.
تطرح القراءات التاريخية تساؤلاً مثيراً للجدل حول 'ماسونية' الرابطة، مستندة إلى اعترافات صريحة لميخائيل نعيمة في كتابه 'سبعون' بانضوائه تحت لواء محافل ماسونية في نيويورك وترقيه فيها. كما يُشار إلى تجربة جبران السابقة في بوسطن حين أسس جمعية 'الحلقة الذهبية' ذات الطابع السري، مما دفع بعض الباحثين للربط بين هيكلية الرابطة القلمية وطرق العمل في المحافل الماسونية من حيث اختيار الأعضاء وتدرجهم.
الرابطة القلمية لم تكن مجرد جمعية أدبية، بل كانت عصبة تخطت في شعورها وتفكيرها حدود المذهب والإقليم لتصيغ وجدان الأدب العربي الحديث.
ومع ذلك، يرى نقاد آخرون أن هذا الارتباط إن وجد، لم يكن يهدف إلى أجندات سياسية خفية بقدر ما كان انعكاساً لمناخ التحرر الفكري الذي ساد بين مثقفي الشام ومصر في تلك الحقبة. فقد كانت الماسونية حينها تجذب المعادين للاستبداد العثماني والداعين إلى قيم التسامح والأخوة الإنسانية. لذا، فإن أدب الرابطة ظل في جوهره 'رومانطيقياً' إنسانياً يدافع عن العدالة الاجتماعية والمهمشين بعيداً عن الأدلجة الحزبية الضيقة.
لم تكن الرابطة القلمية حدثاً طارئاً في تاريخ المهجر، بل كانت ثمرة نضج ثقافي طويل بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد لعب المهاجرون السوريون واللبنانيون في الأمريكتين دوراً محورياً في إنشاء الصحف والمجلات العربية، مستفيدين من إتقانهم للغات الأجنبية واطلاعهم الواسع على الآداب الغربية، مما مكنهم من نقل نماذج أدبية عالمية إلى العربية وتطوير قوالب شعرية ونثرية غير مسبوقة.
تأسست الرابطة رسمياً بعد اجتماعين عقدا في أبريل 1920، الأول في منزل عبد المسيح حداد صاحب جريدة 'السائح'، والثاني في منزل جبران خليل جبران حيث تم إقرار الدستور وانتخاب الهيئة الإدارية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الرابطة مركز ثقل ثقافي أنتج مجلات هامة مثل 'الفنون' و'السمير'، وساهمت في بلورة 'فكرة القصيدة' التي تركز على المحتوى الإنساني الحر المبرأ من التعصب الديني.
رغم الأثر العميق الذي تركته الرابطة القلمية في شجرة الأدب العربي، إلا أنها لم تعمر طويلاً، حيث بدأت بالتفكك عقب رحيل عميدها جبران خليل جبران عام 1932. ومع ذلك، تظل تجربتها شاهدة على مرحلة ذهبية استطاع فيها الأدب العربي أن يمد أغصانه في بلاد الاغتراب، محققاً توازناً فريداً بين الحفاظ على الهوية اللغوية والانفتاح على آفاق الحداثة العالمية.





Share your opinion
في مئوية الرابطة القلمية: هل كانت واجهة للمحافل الماسونية في نيويورك؟