في الأزمنة العادية، يبدو الإعلام كأنّه مرآةٌ تعكس ما يجري في العالم؛ صورةٌ قد تشوبها بعض الزوايا الناقصة، لكنها تظلّ في جوهرها انعكاسًا لواقعٍ قائم. غير أنّ هذه الصورة سرعان ما تتصدّع في لحظات الأزمات، وخصوصًا في أزمنة الحروب، حيث لا يعود الإعلام مجرّد وسيطٍ بين الحدث والمتلقّي، بل يتحوّل إلى فاعلٍ رئيسي في تشكيل الحدث ذاته، وفي إعادة صياغة معناه، بل وفي توجيه مساراته أحيانًا.
في تلك اللحظات، لا تكون الكلمة بريئة، ولا الصورة محايدة، ولا العنوان مجرّد اختيارٍ لغوي، كل تفصيلٍ صغير يمكن أن يصبح جزءًا من بنيةٍ سرديةٍ أكبر تُعيد ترتيب الواقع، وتمنح بعض عناصره حضورًا طاغيًا، بينما تُقصي عناصر أخرى إلى الهامش أو العتمة. وهنا تحديدًا، يبدأ الإعلام في الاقتراب من منطقةٍ رمادية، تتداخل فيها المسؤولية المهنية مع احتمالات التورّط الأخلاقي.
من نقل الواقع إلى صناعته
لم يعد الإعلام يكتفي بنقل الحدث، لأن طبيعة العصر ذاته لم تعد تسمح بذلك، نحن نعيش في زمنٍ تتدفق فيه المعلومات بسرعةٍ تفوق قدرة الإنسان على الاستيعاب، وفي هذا الفيض، لا يكفي أن يُقال "ما الذي حدث"، بل يصبح السؤال الأهم: "كيف يُروى ما حدث؟".وهنا، تكمن السلطة الحقيقية للإعلام.
إنّ ترتيب الأخبار، واختيار الزوايا، وانتقاء الضيوف، وتحديد المفردات، كلّها أدواتٌ تُسهم في بناء المعنى، لا في نقله فقط؛ فقد يكون الحدث واحدًا، لكن الروايات التي تُبنى حوله متعددة، وأحيانًا متناقضة، وفي هذا التعدّد لا يكون الإعلام مراقبًا من الخارج، بل طرفًا فاعلًا في إنتاج الواقع الرمزي الذي يعيشه الجمهور.
وهذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّلٌ عميق في طبيعة العلاقة بين الإعلام والحقيقة؛ فالحقيقة، في كثيرٍ من الأحيان لم تعد معطًى جاهزًا يُنقل، بل بناءً يُشكَّل عبر اللغة، والصورة، والسياق.
حين يُختزل الواقع
في سياق الحروب والأزمات، تظهر بوضوح ظاهرة يمكن تسميتها "قشّة النصر"، وهي ليست كذبةً صريحة، ولا اختلاقًا محضًا، بل لحظةٌ جزئية، حدثٌ صغير، أو تفصيلٌ محدود، يُنتزع من سياقه، ويُضخَّم ليحمل دلالاتٍ أكبر بكثيرٍ مما يحتمل.
قد تكون صورةً لمشهدٍ واحد، أو تصريحًا عابرًا، أو نجاحًا تكتيكيًا محدودًا، يُقدَّم بوصفه تحوّلًا استراتيجيًا. وهنا، لا تكمن المشكلة في نقل هذا الحدث، بل في الطريقة التي يُؤطَّر بها، وفي الحمولة الرمزية التي تُمنح له.
الإعلام في هذه الحالة لا يختلق "القشّة"، لكنه يمنحها وزنًا لا تملكه، ويُعيد إنتاجها بوصفها علامةً على انتصارٍ أكبر، أو على تحوّلٍ حاسم. ومع تكرار هذا النمط، تتشكّل لدى الجمهور صورةٌ غير متوازنة يُبنى فيها الأمل على لحظاتٍ معزولة، لا على قراءةٍ شاملةٍ للواقع.
ضغط السرعة: حين يصبح الوقت عدوًا للحقيقة
أحد أبرز العوامل التي تدفع الإعلام نحو هذا التورّط هو عامل السرعة؛ ففي عصر "العاجل"، لم يعد هناك ترف الانتظار، الخبر الذي لا يُنشر فورًا يفقد قيمته السوقية، حتى لو كان أكثر دقّة.
هذا الإيقاع السريع يفرض على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية قراراتٍ لحظية، في ظلّ معلوماتٍ ناقصة، أو مصادر غير مكتملة، وفي هذا السياق قد تتحوّل الأخطاء الصغيرة إلى رواياتٍ كبيرة، لأن التصحيح حين يأتي يكون متأخرًا، وغالبًا أقلّ انتشارًا من الخطأ الأصلي.
السرعة، إذن، لا تُضعف فقط دقّة الخبر، بل تُعيد تشكيل أولويات الإعلام، بحيث يصبح "أن تكون أولًا" أهمّ من "أن تكون صحيحًا". وهنا يبدأ الانزلاق التدريجي من المسؤولية إلى التورّط.
المنافسة: اقتصاد الانتباه وأخلاقيات التغطية
لم يعد الإعلام يعمل في فضاءٍ معزول، بل في سوقٍ شرس، تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، ونسب التفاعل، ومدة البقاء على الشاشة، وهذا ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، حيث يصبح الجمهور موردًا نادرًا، تتنافس عليه المؤسسات الإعلامية بكل الوسائل.
في هذا السياق تُصبح الإثارة أداةً مركزية؛ العناوين الحادّة، والصور الصادمة، واللغة المشحونة، كلّها وسائل لجذب الانتباه، لكن هذه الأدوات حين تُستخدم بلا ضوابط، قد تُسهم في تشويه الواقع، أو في تضخيم جوانب معيّنة على حساب أخرى.
وهنا لا يعود السؤال: "ما الذي يجب أن يُقال؟"، بل: "ما الذي سيجذب الانتباه أكثر؟". ومع تكرار هذا المنطق، تتآكل الحدود بين الإعلام بوصفه خدمةً عامة، والإعلام بوصفه صناعةً تجارية.
الانحياز: من الإطار إلى الأداة
لا يوجد إعلامٌ بلا انحياز؛ فكل وسيلة إعلامية تنطلق من سياقٍ ثقافي وسياسي، ينعكسبدرجاتٍ متفاوتة في تغطيتها، لكن الفرق كبير بين الانحياز بوصفه إطارًا تفسيريًا، والانحياز بوصفه أداةً انتقائية.
حين يتحوّل الانحياز إلى أداة، يبدأ الإعلام في اختيار ما يُظهره وما يُخفيه، لا بناءً على أهميته، بل على مدى توافقه مع السردية المرغوبة، تُبرز بعض الوقائع وتُهمَّش أخرى، لا لأنها أقلّ أهمية، بل لأنها أقلّ انسجامًا مع الخط العام.
في هذه اللحظة، لا يعود الإعلام شاهدًا، بل يصبح طرفًا في الصراع، يشارك في إعادة إنتاجه رمزيًا، حتى لو لم يكن جزءًا منه ميدانيًا.
الأثر التراكمي: حين يتشكّل وعيٌ مشوّه
المشكلة في هذا النمط من التغطية ليست في لحظةٍ واحدة، بل في تراكم اللحظات. حين يُعاد إنتاج "قشّة النصر" مرارًا، وحين تُضخَّم الأحداث الصغيرة باستمرار، يتشكّل لدى الجمهور وعيٌ مشوّه، يرى الواقع من خلال عدسةٍ غير متوازنة.
قد يُبنى الأمل على أسسٍ هشّة، أو تُصاغ الخيبات بشكلٍ فجائي وقاسٍ، وفي الحالتين تتآكل الثقة، ليس فقط بالإعلام، بل بالواقع ذاته، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصاغ، بين ما هو حدث وما هو سردية.
وهذا التآكل في الثقة له آثارٌ بعيدة المدى، لأنه يضرب أحد أهمّ أعمدة المجال العام: الثقة في المعلومات.
الإعلام والجمهور: علاقة تبادلية
ليست العلاقة بين الإعلام والجمهور علاقة اتجاهٍ واحد، بل هي شبكةٌ متداخلة من التأثير والتأثر، فالإعلام لا يكتفي بصناعة الرسالة، بل يصوغها ضمن أفق توقعات الجمهور واهتماماته، بينما يعيد الجمهور بدوره تشكيل هذه الرسالة عبر التفاعل، والانتقاء، وإعادة التداول. وهكذا يصبح المتلقي شريكًا ضمنيًا في إنتاج المعنى، لا مجرد مستهلكٍ سلبي له.
من السهل إلقاء اللوم على الإعلام وحده، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ إن كثيرًا من المضامين الإعلامية لا تنمو في فراغ، بل تجد رواجها لأنها تلامس نزعاتٍ كامنة لدى الجمهور: الرغبة في الإثارة، الميل إلى التبسيط، أو حتى البحث عن تأكيد القناعات المسبقة، في هذه الحالة، لا يعكس الإعلام فقط ما يطلبه الجمهور، بل يضخّمه ويعيد تدويره، فتتشكل حلقة تغذية راجعة قد تُضعف المعايير المهنية وتشوّه الوعي العام.
ومع صعود الفضاء الرقمي، تحوّل الجمهور إلى فاعلٍ مباشر: يعلّق، وينشر، ويصنع محتوى، بل ويؤثر في أجندة الوسائل الإعلامية نفسها، غير أن هذه القوة الجديدة لا تعني بالضرورة وعيًا أعلى، بل قد تفتح المجال لانتشار المعلومات المضللة، حين يغيب التحقق لصالح السرعة والانفعال.
من هنا، تتوزع المسؤولية بين الطرفين: إعلام مطالب بالتحرر من إغراءات السوق واللحظة، والتمسك بأخلاقيات المهنة، وجمهور مدعوّ إلى تطوير حس نقدي، لا يكتفي بالاستهلاك بل يُسائل ويُمحّص. فالعلاقة بينهما في جوهرها، ليست مجرد نقلٍ للخبر، بل بناءٌ مشتركٌ للوعي- إما أن يرتقي بالمجتمع، أو ينحدر به إلى فوضى الإدراك.
Sun 19 Apr 2026 10:28 am - Jerusalem Time





Share your opinion
الإعلام: بين المسؤولية والتورّط : حين يتحوّل الخبر من مرآةٍ للواقع إلى أداةٍ لإعادة تشكيله