شهدت مدينة الإسكندرية فصلاً ختامياً لواحدة من أكثر القصص الإنسانية تعقيداً، حيث عاد الشاب المعروف باسم 'إسلام' إلى أحضان أسرته الحقيقية ذات الأصول الليبية. جاء ذلك بعد غياب قسري استمر لأكثر من 43 عاماً، إثر تعرضه للاختطاف في طفولته المبكرة على يد سيدة اشتهرت إعلامياً باسم 'عزيزة'.
وأعلن الشاب في بث مباشر جرى تداوله في ساعة مبكرة من فجر الخميس، عن ظهور نتائج تحليل البصمة الوراثية التي أكدت بشكل قاطع انتماءه لعائلته المفقودة. وأوضح أنه كان ينتظر هذه اللحظة طوال عقود من البحث المضني، مشيراً إلى أن أصوله تعود لأسرة ليبية كانت تقيم في مصر وقت الحادثة.
تعود جذور المأساة إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً عندما اختفى طفل رضيع لم يتجاوز عمره 45 يوماً من داخل مستشفى الشاطبي بالإسكندرية. الطفل الذي ولد لأب ليبي وأم مصرية، تلاشى أثره في ظروف غامضة، مما ترك عائلته في حالة من التيه والبحث المستمر لسنوات طويلة دون جدوى.
بذلت الأسرة جهوداً مضنية في البداية للوصول إلى أي خيط يقودها إلى طفلها، إلا أن انعدام الأدلة دفعها في نهاية المطاف للعودة إلى ليبيا والاستقرار هناك. ورغم مرور السنين الطويلة، ظلت غصة الفقد حاضرة في وجدان الوالدين والأشقاء، الذين لم يفقدوا الأمل تماماً في معجزة تعيد فقيدهم.
في المقابل، نشأ الطفل المختطف في بيئة مختلفة تماماً وتحت اسم مستعار هو 'إسلام'، دون أن يدرك حقيقة جذوره أو مأساة اختطافه. بدأت الشكوك تساور الشاب بعد الكشف عن جرائم الخاطفة 'عزيزة'، مما دفعه لبدء رحلة شاقة للبحث عن هويته الحقيقية وتتبع خيوط الماضي.
خاض إسلام مساراً طويلاً من الفحوصات الطبية، حيث أجرى أكثر من 50 تحليل بصمة وراثية مع عائلات مختلفة كانت تبحث عن أبنائها المفقودين. ورغم أن جميع النتائج السابقة كانت سلبية ومخيبة للآمال، إلا أنه أصر على مواصلة البحث حتى وصل إلى العائلة الصحيحة.
التحول الدرامي في القصة حدث عند ظهور نتائج التحليل الأخير الذي أثبت تطابقاً كاملاً مع عائلة ليبية، ليتضح أن اسمه الحقيقي المسجل في الأوراق الرسمية القديمة هو 'محمد'. ووصف الشاب لحظة تلقيه الخبر بأنها كانت مزيجاً من الصدمة والذهول والفرح العارم الذي لا يوصف.
تلقيت نتيجة التحليل في ساعة متأخرة ولم أستوعب الأمر في البداية، لكنني اليوم أعلن عودتي لأصولي وجذوري.
وعلى الرغم من استعادته لاسمه الأصلي 'محمد'، قرر الشاب الاحتفاظ باسم 'إسلام' الذي عرفه الناس به وعاش به طوال حياته، كجزء من هويته التي تشكلت عبر السنين. واعتبر أن النتيجة لم تكن مجرد ورقة طبية، بل كانت مفتاحاً لاستعادة تاريخه المسلوب وروابطه الدموية المقطوعة.
اللقاء الأول بين الشاب وأشقائه جرى توثيقه عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث ظهر محاطاً بعدد من إخوته الذين بلغ عددهم الإجمالي 20 شقيقاً وشقيقة. سادت أجواء من التأثر الشديد والبكاء خلال اللقاء الذي جمع شمل العائلة بعد أكثر من أربعة عقود من الفراق القسري.
أشقاء الشاب، ومن بينهم جبريل ورفعت، عبروا عن سعادتهم الغامرة بعودة شقيقهم الذي اعتبروه 'عائداً من الموت'. وأكدوا أن رحلة البحث التي قادها شقيقهم من جهة، وانتظارهم له من جهة أخرى، قد تكللت بالنجاح الذي سيعيد ترتيب أوراق العائلة من جديد.
برزت هذه القضية مجدداً في الواجهة الإعلامية بالتزامن مع عرض عمل درامي بعنوان 'حكاية نرجس'، والذي استعرض تفاصيل مستوحاة من قصة الخاطفة 'عزيزة'. ساهم المسلسل في تسليط الضوء على معاناة الأطفال المختطفين وذويهم، مما زاد من وتيرة الاهتمام الشعبي بقضية إسلام.
تفاعلت الأوساط الفنية والاجتماعية مع الخبر بشكل واسع، حيث أعربت الفنانة ريهام عبد الغفور عن تأثرها الشديد بنهاية هذه المعاناة. واعتبر متابعون أن وصول إسلام إلى أهله يمثل انتصاراً للإرادة الإنسانية وقدرة العلم على كشف الحقائق مهما طال عليها الزمن.
تعد هذه الواقعة من أطول وأعقد حالات الاختطاف التي شهدتها المنطقة، نظراً لتداخل الجنسيات ومرور زمن طويل كاد أن يمحو الملامح والذكريات. وتفتح القصة الباب مجدداً أمام ملفات المفقودين والمخطوفين الذين لا تزال عائلاتهم تتمسك ببصيص أمل في العثور عليهم.
يستعد الشاب حالياً لإتمام الإجراءات القانونية والاجتماعية للاندماج مجدداً مع عائلته الكبيرة، وسط ترحيب واسع من أقاربه في ليبيا ومصر. وتظل قصة 'إسلام' أو 'محمد' شاهداً حياً على مآسي الاختطاف، لكنها تحمل في طياتها رسالة أمل لكل من يبحث عن الحقيقة.





Share your opinion
بعد 43 عاماً من الاختطاف.. البصمة الوراثية تعيد 'إسلام' إلى عائلته الليبية