Fri 17 Apr 2026 7:15 pm - Jerusalem Time

هشاشة الأجواء العراقية: مليارات الدفاع الجوي في مهب الصراعات الإقليمية

كشفت المواجهات الأخيرة التي استمرت لأربعين يوماً بين أطراف إقليمية ودولية عن ضعف بنيوي حاد في قدرات الدفاع الجوي العراقي. فقد تحولت سماء البلاد إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الصاروخية والطائرات المسيّرة، مما وضع الدولة في موقف دفاعي هش أثار تساؤلات كبرى حول جدوى الإنفاق العسكري الضخم خلال العقدين الماضيين.

وعلى الرغم من الصلاحيات الدستورية الواسعة الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة، إلا أن الواقع الميداني أظهر فجوة كبيرة في تنفيذ سياسات الأمن الوطني. إذ لم تنجح المؤسسة العسكرية في تأمين الحدود أو حماية الأجواء من الاختراقات المتكررة التي طالت العمق العراقي وأدت لخسائر بشرية ومادية.

وتشير الإحصائيات إلى أن حصيلة الضربات الجوية الأخيرة أسفرت عن مقتل نحو 80 فرداً من منتسبي الحشد الشعبي وإصابة مئات آخرين، فضلاً عن سقوط ضحايا من المدنيين العزل. هذه الأرقام تعكس حجم الارتباك في التعامل مع الهجمات الأجنبية، وتكشف عن غياب التنسيق الفعال بين صنوف القوات المسلحة التي يتجاوز تعدادها المليون ونصف المليون فرد.

تأسست قيادة الدفاع الجوي العراقي في مطلع التسعينيات بهدف حماية الأجواء من أي اعتداء خارجي، لكنها اليوم تبدو عاجزة عن أداء مهامها الأساسية. فبينما كانت الطائرات والصواريخ تجوب سماء البلاد، غابت المنظومات الدفاعية عن المشهد تماماً، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مصير الموازنات الانفجارية المخصصة لهذا القطاع.

وبحسب البيانات المالية، فقد تجاوزت موازنات وزارة الدفاع منذ عام 2004 حاجز الـ 150 مليار دولار، وهي مبالغ كان من المفترض أن تجعل من العراق قوة دفاعية إقليمية. إلا أن الواقع يشير إلى تبخر هذه المليارات دون تحقيق تطور ملموس في أنظمة الرصد والاعتراض الجوي، مما يضع الحكومات المتعاقبة في دائرة الاتهام بالتقصير.

يمتلك العراق من الناحية النظرية ترسانة من الرادارات المتقدمة، من بينها منظومات 'AN/TPS-77' الأمريكية ثلاثية الأبعاد التي يصل مداها إلى 470 كيلومتراً. وتتوزع هذه المنظومات بين قاعدتي التاجي وذي قار، إلا أن إحداها تعرضت للتدمير بواسطة طائرة مسيّرة محلية في منتصف عام 2025، مما يعكس ضعف الحماية الذاتية لهذه المنشآت الحساسة.

إلى جانب التقنيات الأمريكية، استورد العراق رادارات فرنسية من طراز 'GM403' و'GM200' المتطورة، والتي تمتاز بقدرات الإنذار المبكر ضد المسيّرات والصواريخ. ومع ذلك، لم تساهم هذه المعدات التي كلفت خزينة الدولة مبالغ طائلة في صد الهجمات الفعلية، وظلت فاعليتها محدودة في مواجهة التهديدات الجوية المتطورة.

تتضمن الترسانة الدفاعية أيضاً منظومات 'أفنجر' الأمريكية قصيرة المدى، ومنظومات 'بانتسير- إس 1' وصواريخ 'إيغلا' الروسية المحمولة على الكتف. ورغم أن غالبية هذه المعدات دخلت الخدمة في منتصف عام 2022، إلا أنها فشلت في سد الثغرات الأمنية، مما يثير الشكوك حول جودة التدريب أو آليات التكامل بين هذه المنظومات المختلفة.

تواجه المنظومة الدفاعية العراقية تحديات جغرافية معقدة، حيث تمتد الحدود البرية لنحو 3600 كيلومتر تتنوع بين الجبال والصحاري والوديان. هذا التنوع التضاريسي يتطلب تقنيات رصد متقدمة قادرة على كشف الأهداف المنخفضة الارتفاع، وهو ما تفتقر إليه الدفاعات الحالية التي تعاني من فجوات تقنية واسعة في الربط والسيطرة.

في محاولة لتدارك الموقف، وجه رئيس الحكومة محمد شياع السوداني مؤخراً بتحديث منظومات الدفاع الجوي ورفع مستويات الجاهزية القتالية. لكن هذا التوجيه جاء في وقت حرج، مما دفع مراقبين للتساؤل عن سبب تأخر هذه الخطوات حتى وقوع الكارثة، خاصة وأن العراق يقع في قلب منطقة تعصف بها الأمواج الصاروخية المتلاطمة.

يعيد المشهد الحالي للأذهان تصريحات سياسية سابقة اعترفت بالفشل الذريع في إدارة الدولة والعملية السياسية، ومع ذلك لا يزال التمسك بالسلطة هو المحرك الأساسي للعديد من القوى. إن غياب المصارحة بالعجز عن حماية السيادة الوطنية يعمق الفجوة بين الشارع والسلطة، ويزيد من قلق المواطنين حول مصيرهم ومستقبل بلادهم.

إن الحكومات الناجحة هي التي تبني قدراتها الدفاعية بناءً على استشراف المخاطر المستقبلية والتطورات العلمية المتسارعة في عالم العسكرية. أما الاعتماد على سياسة ردود الفعل الآنية وانتظار وقوع الضربات، فهو دليل على قصور استراتيجي يجعل الدولة لقمة سائغة أمام التدخلات الخارجية والاعتداءات المتكررة.

تفتقر الدولة العراقية حتى الآن إلى قدرات تصنيعية وطنية، وتعتمد بشكل كلي على استيراد الأسلحة التقليدية التي قد لا تتناسب مع حروب الجيل الخامس. فالعالم اليوم يتجه نحو الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية القرار، وهي أدوات تتطلب منظومات دفاعية فائقة التطور لا تتوفر في الترسانة العراقية الحالية.

في نهاية المطاف، يبقى الصراع السياسي على المناصب والمكاسب الحزبية هو العائق الأكبر أمام بناء مؤسسة عسكرية مهنية قادرة على حماية الوطن. وبدون رؤية وطنية شاملة تضع أمن المواطن وسيادة الدولة فوق كل اعتبار، سيبقى العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على حساب دماء أبنائه.

Tags

Share your opinion

هشاشة الأجواء العراقية: مليارات الدفاع الجوي في مهب الصراعات الإقليمية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.