تختزل الصورة القادمة من أمام قنصلية تونس في منطقة بانتان بباريس مشهداً يبدو كأنه كابوس بطيء يتكرر عبر الزمن. ففي ذات المكان، وبذات الأدوات من لافتة ومكبر صوت، عاد المطلب نفسه ليُرفع بعد ستة عشر عاماً من النضال ضد منظومة كانت تستخدم الوثائق الرسمية كأدوات للعقاب السياسي.
في نوفمبر من عام 2010، كانت تلك اللافتة صرخة مدوية في وجه سلطة حولت جواز السفر من حق مواطنة إلى وسيلة للإخضاع والابتزاز. كان المنطق السائد حينها يكافئ الصامتين ويعاقب المعترضين بحرمانهم من أبسط حقوق التنقل، وهو ما اعتقد الكثيرون أنه ولى بلا رجعة مع اندلاع الثورة وسقوط النظام.
لكن الواقع في أبريل 2026 جاء ليصدم تلك التوقعات، حيث رُفعت اللافتة ذاتها وبالكلمات نفسها في سياق كان يُفترض فيه أن الحقوق باتت محصنة بقوة القانون. هذا التكرار المؤلم يشير إلى بنية إدارية وسياسية عميقة تملك قدرة فائقة على إعادة إنتاج نفسها بأثواب وشعارات متجددة.
إن الاستبداد، كما يظهر من قراءة المشهد، يمتلك مرونة عالية في التكيف مع المتغيرات؛ فهو يتخلص من الوجوه التي تصبح عبئاً عليه، لكنه يستمسك بالأدوات الجوهرية للقمع. يتقدم النظام بخطاب مغاير، إلا أن المنطق الداخلي الذي يحكم التعامل مع المعارضين يظل صلباً ولا يتغير.
تتحول الإدارة، في غياب الرقابة الفعلية والمساءلة الحقيقية، إلى أداة قمع مباشر تنتهك الحقوق الدستورية للمواطنين. ويصبح القرار الإداري، الذي يُفترض فيه الحياد، رسالة سياسية واضحة المعالم تستهدف تضييق الخناق على كل من يغرد خارج السرب الرسمي.
إن منع تجديد جوازات سفر المعارضين والمرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو استخدام محسوب لمؤسسات الدولة. الهدف من هذه الممارسات هو 'تأديب' الفضاء السياسي ورسم حدود المشاركة بيد من يمسك بزمام القرار الفعلي.
بهذه الطريقة، يُعاد إنتاج مناخ الخوف وزرعه في النفوس مجدداً، حتى وإن تبدلت واجهات الحكم وتغيرت الشعارات المرفوعة في الميادين. المسألة في جوهرها تتعلق بكيفية ضبط السلطة وتحصينها من الانزلاق نحو التفرد، وهو ما يبدو أنه لم يتحقق بشكل كامل.
الاستبداد يملك قدرة استثنائية على التكيّف، يتخلّى عن وجوهه القديمة حين تصبح عبئاً، ويحتفظ بأدواته الجوهرية حين تصبح ضرورة.
حين تضعف الضمانات القانونية وتتآكل آليات الرقابة، يصبح الحق الطبيعي للمواطن قابلاً للتعليق في أي لحظة وفقاً للأهواء السياسية. المؤسسات التي لا يحميها قانون صارم تظل عرضة للتوظيف ضد المواطنين متى اقتضت الحسابات السلطوية ذلك، مما يجعل الحرية رهينة توازنات متقلبة.
الثورات التي تكتفي بإسقاط الرؤوس دون بناء قضاء مستقل ومؤسسات محصنة تكون قد أنجزت نصف المهمة فقط. وما يُترك معلقاً من استحقاقات ديمقراطية يعود ليظهر كأزمة في أول لحظة ضعف تمر بها الدولة أو عند بروز إرادة متسلطة تجد الأبواب مواربة.
ومع ذلك، فإن هذا التكرار في السياسات القمعية يحمل في طياته دليلاً على إفلاس منظومة عجزت عن ابكار حلول تتماشى مع العصر. فاللجوء إلى أدوات الأمس يعكس عجزاً بنيوياً عن مواجهة تحديات المستقبل، ولا يمكن اعتباره دليل قوة مهما بدا حازماً.
في المقابل، تظهر الصورة أن المقاومة أيضاً تتكرر بالإصرار ذاته وبالوجوه ذاتها التي لم تنكسر عزيمتها رغم مرور السنين. الشخصان اللذان رفعا اللافتة قبل ستة عشر عاماً هما نفسهما من يقفان اليوم أمام مبنى القنصلية، مما يؤكد أن الرهان على تعب الناس قد فشل.
لقد شاخت الوجوه بفعل الزمن، لكن الإصرار على الحقوق لم يشيخ، وهو ما يكشف عن وعي جماعي يتجاوز المواقف الفردية العابرة. الذاكرة الحية هي الحصن الأخير ضد محاولات فرض النسيان أو القبول التدريجي بما كان مرفوضاً في السابق تحت مسميات مختلفة.
كل سلطة تختار العودة إلى أدوات القمع القديمة تتجاهل دروس التاريخ وكيف انتهت التجارب السابقة بمحاسبة فاعليها. الرهان على تشتت انتباه المجتمع أو قبوله بالأمر الواقع هو رهان خاسر أمام إرادة صلبة تعرف جيداً كيف تكسر حلقات الاستبداد المفرغة.
في الختام، تظل اللافتة المرفوعة في بانتان رمزاً لإرادة لا تقبل المساومة، وتذكيراً بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم. إن من صمد لستة عشر عاماً هو من يملك القدرة على تحديد مسار العد التنازلي لأي منظومة تحاول الالتفاف على مكتسبات الحرية.





Share your opinion
لافتة بانتان: حين يعيد التاريخ نفسه في مواجهة 'سلاح' جواز السفر