وصل البابا ليو الرابع عشر، اليوم، إلى مدينة عنابة الواقعة في الشرق الجزائري، وذلك في إطار اليوم الثاني من زيارته التاريخية التي تهدف إلى تعميق الروابط الروحية والثقافية. وتأتي هذه المحطة لاقتفاء آثار القديس أوغسطين، الذي يعد المرجع اللاهوتي الأبرز للكنيسة الكاثوليكية، والذي عاش وأنجز معظم أعماله الفلسفية على هذه الأرض في القرن الرابع الميلادي.
وتحمل زيارة البابا إلى مدينة 'هيبون' القديمة رمزية استثنائية، حيث يسعى من خلالها إلى ربط الحاضر بالجذور الفكرية العميقة التي تركها أوغسطين. وقد بدأت الجولة بزيارة الموقع الأثري التاريخي، حيث استحضرت الوفود المشاركة المرحلة المفصلية من حياة القديس الذي ولد في طاغست وقضى سنواته الأخيرة في التدريس والعبادة في عنابة.
وتوجه الحبر الأعظم عقب ذلك إلى مجموعة من المؤسسات الاجتماعية ذات الطابع الإنساني، في خطوة تعكس البعد التضامني الذي يطبع هذه الزيارة الرسمية. كما التقى بأعضاء الرهبنة الأوغسطينية، في لقاء جسد الارتباط الروحي الوثيق بين الفاتيكان وهذه المدرسة الفكرية التي لا تزال تؤثر في الفكر المسيحي العالمي.
وشهدت كنيسة القديس أوغسطين إقامة قداس مهيب ترأسه البابا، واصفاً اللحظة بأنها الأبرز في رحلته نظراً لما تحمله من دلالات دينية وتاريخية. ويُعرف عن البابا ليو الرابع عشر تأثره الشديد بشخصية أوغسطين، حيث صرح منذ تنصيبه في مايو 2025 بأنه يتبع نهجه الفكري ويعتبره والده الروحي.
وعلى الصعيد الرسمي، أطلقت السلطات الجزائرية بالتزامن مع الزيارة مبادرات تهدف إلى تثمين الإرث الأوغسطيني كجزء من الهوية الوطنية المتعددة. وتشمل هذه الجهود مشروع 'المسارات الأغسطينية' الذي يهدف لإدراج المواقع المرتبطة بحياته، مثل سوق أهراس ومداوروش، ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كما يجري العمل حالياً على تأسيس مركز للدراسات الأوغسطينية لدعم البحث الأكاديمي وتعميق المعرفة بهذه الشخصية العالمية. ويعكس هذا التوجه رغبة رسمية في إبراز تنوع التاريخ الجزائري وانفتاحه على مختلف الحضارات الإنسانية التي مرت عبر العصور.
وفي سياق متصل، شهدت الزيارة نقاشات حول مكانة أوغسطين في الذاكرة الوطنية، حيث اعتبره الكثيرون رمزاً حضارياً يعكس عمق التاريخ الجزائري. وقد أكد الرئيس عبد المجيد تبون في كلمته بجامع الجزائر أن البلاد تعتز بهذا الإرث الإنساني الكبير الذي يمثله أوغسطين إلى جانب رموز وطنية أخرى كالأمير عبد القادر.
المستقبل في يد الرجال والنساء صناع السلام، والعدل سينتصر دائماً على الظلم، والعنف لن تكون له الكلمة الأخيرة أبداً.
وكان اليوم الأول للزيارة قد تضمن وقفة رمزية للبابا أمام مقام الشهيد بالعاصمة، حيث وضع إكليلاً من الزهور ترحماً على أرواح محاربي الثورة الجزائرية. وأشاد البابا في كلمته بروح الشعب الجزائري المناضل من أجل الاستقلال والكرامة، مؤكداً أن الله يريد السلام لجميع الأمم بعيداً عن الصراعات.
ولم تغب القضايا الدولية عن أجندة الزيارة، حيث نوه الرئيس الجزائري بمواقف الفاتيكان تجاه المأساة الإنسانية في قطاع غزة. وأشار تبون إلى تقاطع الرؤى بين الجانبين حول ضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة وغير القابلة للتصرف وفقاً للقرارات الدولية.
من جانبه، شدد البابا ليو الرابع عشر على أن الاحترام المتبادل هو الطريق الوحيد الذي يمكن الشعوب من السير معاً نحو مستقبل آمن. وأكد في خطابه بساحة رياض الفتح أن العدالة يجب أن تكون هي الأساس لأي سلام دائم، معرباً عن رفضه القاطع لكافة أشكال العنف والحروب.
وأثارت صورة البابا مع عميد جامع الجزائر، مأمون القاسمي، أمام محراب المسجد اهتماماً واسعاً في الأوساط الإعلامية والدولية. واعتبر مراقبون أن هذه الصورة تمثل ذروة الدفع نحو حوار الأديان والتعايش السلمي، خاصة وأنها التقطت في ثالث أكبر مسجد في العالم.
وتعتبر كتابات أوغسطين مثل 'الاعترافات' و'مدينة الله' من الركائز الأساسية التي تدرس حتى اليوم في كبريات الجامعات العالمية. وتأتي هذه الزيارة لتعيد تسليط الضوء على هذه المؤلفات التي صاغت جزءاً كبيراً من الفكر الفلسفي واللاهوتي الغربي انطلاقاً من الأراضي الجزائرية.
وأفادت مصادر بأن التنسيق بين الجزائر والفاتيكان سيستمر لترقية قيم التفاهم العالمي وتعزيز ثقافة التعايش بين الشعوب. ويهدف هذا التعاون إلى مواجهة التحديات الراهنة التي تهدد السلم الدولي، من خلال التركيز على المشتركات الإنسانية والقيم الروحية السامية.
وختم البابا جولته في عنابة بالتأكيد على أن زيارته للجزائر هي رحلة سلام ومحبة، تهدف إلى بناء جسور التواصل بين ضفتي المتوسط. وأعرب عن امتنانه لحفاوة الاستقبال التي وجدها، مشيراً إلى أن الجزائر تظل نموذجاً في الحفاظ على التراث الإنساني المتنوع.





Share your opinion
في ثاني أيام زيارته للجزائر.. البابا ليو الرابع عشر يقتفي أثر القديس أوغسطين في عنابة