أثارت صورة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته 'تروث سوشيال'، جسدته في هيئة تحاكي الأيقونات المسيحية المقدسة، تساؤلات عميقة حول طبيعة التحالف الذي يربطه بالتيار الإنجيلي المتشدد. هذه الصورة لم تكن مجرد دعاية سياسية، بل عكست تتويجاً لعلاقة معقدة استثمر فيها ترامب نفوذ المسيحية الصهيونية للوصول إلى السلطة، بينما استثمرت هي غروره لتمرير أجندة لاهوتية متطرفة.
تؤمن الحركة المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة بأن قيام دولة إسرائيل وتوسعها هو شرط مسبق لتحقق نبوءات 'نهاية الزمان' والمجيء الثاني للمسيح. وقد وجد قادة هذا التيار في شخصية ترامب، رغم تناقضات حياته الشخصية مع قيمهم المعلنة، 'أداة إلهية' قادرة على اتخاذ قرارات جسورة تخدم هذا التصور العقائدي.
لقد نجح الإنجيليون في بناء بنية تحتية سياسية ضخمة مكنتهم من ممارسة ضغوط هائلة داخل البيت الأبيض، محولين المعتقدات الدينية إلى قرارات سياسية ملموسة. وكان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة للاحتلال، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، بمثابة 'علامات' دينية بالنسبة لهم أكثر من كونها خطوات دبلوماسية.
تبرز شخصيات مثل القس جون هاغي، مؤسس منظمة 'مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل'، كلاعبين أساسيين في توجيه بوصلة ترامب نحو التصعيد العسكري. هاغي الذي يقود ملايين الأتباع، يروج لفكرة أن الصدام مع إيران هو جزء من 'خطة الله'، معتبراً أي ضربة عسكرية ضد طهران تنفيذاً لإرادة سماوية لا تقبل التأجيل.
لم يكتفِ ترامب بدور السياسي المنفذ، بل تشير التقارير إلى أنه بدأ يتبنى فعلياً خطاب 'المختار الإلهي' في تصرفاته اليومية وخطاباته الجماهيرية. فبعد نجاته من محاولة اغتيال في بنسلفانيا، عزز قادة دينيون مثل فرانكلين غراهام فكرة أن العناية الإلهية تدخلت مباشرة لإنقاذ 'موسى الجديد' لاستكمال مهمته.
هذا التحول النفسي لدى ترامب انعكس على لغة خطابه السياسي، حيث بدأ يصف خصومه بـ 'خدام الشيطان'، معتبراً المعارضة التي يواجهها نوعاً من 'الابتلاء' الذي يسبق التمجيد. وقد أدى هذا الامتزاج بين الذاتية المفرطة والقداسة الدينية إلى خلق حالة من الحصانة النفسية ضد أي انتقادات قانونية أو أخلاقية.
داخل أروقة البيت الأبيض، تشير مصادر إلى طقوس صلاة دورية يشارك فيها قساوسة متشددون يضعون أيديهم على رأس ترامب لمباركة خطواته. هذه الجلسات تهدف إلى إقناع الرئيس بأن روحه قد حلت عليها 'المشيئة الإلهية' لتدمير ما يصفونه بـ 'قرون الشر' في المنطقة، وعلى رأسها إيران وحلفاؤها.
أنت الممسوح يا ربنا، أنت المختار لتحطم رأس الأفعى في فارس.
الخطر الحقيقي يكمن في تسلل هذه العقلية إلى المؤسسة العسكرية، حيث أفادت شكاوى من داخل الجيش بأن بعض القادة يصفون الحرب المحتملة مع إيران بأنها 'هرمجدون'. ووفقاً لهذه الشهادات، يتم تصوير ترامب أمام الجنود كقائد 'ممسوح' من قبل المسيح لإشعال نار الحرب التي ستمهد للعودة المنتظرة.
إن استخدام النصوص الدينية من العهد القديم مثل 'لا تمسوا مسحائي' منح ترامب شعوراً بالاضطهاد المقدس، مما يبرر له اتخاذ قرارات راديكالية. فكل دعوى قضائية أو انتقاد سياسي يُترجم في ذهنه وفي ذهن أتباعه كـ 'تاج من الشوك' يوضع على رأسه، مما يزيد من حدة استقطاب الشارع الأمريكي.
تحول البيت الأبيض في ظل هذا النفوذ إلى ما يشبه 'الكنيسة الصاخبة' حيث تتداخل الرؤى اللاهوتية مع خطط العمليات العسكرية. وأصبح ترامب، الذي عُرف سابقاً ببراعته في صفقات العقارات، يرى نفسه 'نبي حرب' يقود معركة كونية ضد أعداء إسرائيل، متجاوزاً كل الأعراف الدبلوماسية الدولية.
يرى مراقبون أن ترامب وقع أسيراً للخرافات التي صنعها له المتعصبون، حيث بات يؤمن بأسطورته الخاصة كـ 'مسيح ثانٍ'. هذا الاعتقاد يجعله غير قابل للردع، لأن أي قرار يتخذه يصبح في نظره 'مرسوماً إلهياً' لا يمكن للبشر أو المؤسسات الدولية الوقوف في وجهه أو معارضته.
لقد نجحت الدائرة الضيقة من القساوسة في استغلال حاجة ترامب للتبجيل المطلق لتحويله إلى رأس حربة في مشروع إمبريالي بصبغة دينية. وهم بذلك يدفعون المنطقة نحو صراع صفري لا مكان فيه للتفاوض، طالما أن الهدف النهائي هو تحقيق نبوءات دينية دموية تتعلق بنهاية العالم.
إن الصورة 'المسيانية' التي يروج لها ترامب ليست مجرد أداة انتخابية، بل هي قمة جبل الجليد لواقع سياسي واجتماعي مخيف في الولايات المتحدة. هذا الواقع يقوم على تحالف بين طموح سياسي بلا سقف وإيمان أعمى بمذابح 'نهاية الزمان'، مما يهدد بإشعال فتيل صراعات عالمية مدمرة.
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل حول مصير هذا التحالف عندما تصطدم النبوءات بالواقع السياسي المعقد أو عندما تنتهي مصلحة القساوسة. فالتاريخ يشير إلى أن المتعصبين قد يتخلون عن أدواتهم بمجرد فشلها في تحقيق أحلامهم، لكن الثمن الذي ستدفعه المنطقة والعالم قد يكون باهظاً ولا يمكن تداركه.





Share your opinion
ترامب والإنجيليون.. تحالف 'المختار' الذي يقود واشنطن نحو حروب دينية