تشهد أسواق جنوب شرق آسيا تحولاً دراماتيكياً في سلوك المستهلكين، حيث تدفق المشترون بكثافة نحو صالات عرض السيارات الكهربائية. يأتي هذا التوجه كاستجابة مباشرة للارتفاع الحاد في أسعار الوقود التقليدي، والذي نتج عن استمرار التوترات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وتضررت الدول الآسيوية بشكل مباشر من تراجع إمدادات النفط الخام ومحدودية البدائل الطاقية المتاحة، مما جعل تكلفة تشغيل المركبات التقليدية عبئاً ثقيلاً. وقد تحولت هذه الأزمة إلى فرصة ذهبية لشركات تصنيع السيارات الكهربائية، وعلى رأسها شركة 'فينفاست' الفيتنامية والمصنعين الصينيين الذين يهيمنون على السوق.
في العاصمة الفيتنامية هانوي، أكدت مصادر من داخل صالات العرض أن الدوافع الاقتصادية هي المحرك الرئيس لهذا الإقبال. وأشارت المصادر إلى أن العائلات بدأت تعيد حساب ميزانياتها الشهرية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار البنزين، مما دفع الكثيرين للتفكير في استبدال سياراتهم القديمة بأخرى كهربائية.
ولا يقتصر الأمر على توفير المال فحسب، بل يمتد ليشمل الراحة التشغيلية وتجنب طوابير التزود بالوقود التي باتت ترهق المستهلكين. ويرى مراقبون أن قيادة السيارات الكهربائية أصبحت خياراً مفضلاً من حيث التكلفة والوقت، خاصة مع تذبذب سلاسل إمداد الطاقة العالمية.
وقفزت أسعار النفط الخام بنحو 50% منذ اندلاع المواجهات في الشرق الأوسط، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل في تعاملات مطلع الأسبوع. هذا الارتفاع انعكس فوراً على محطات الوقود، مما شكل ضغطاً تضخمياً كبيراً على المستهلكين في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء في القارة الآسيوية.
وحققت شركة 'فينفاست' المدرجة في بورصة ناسداك نمواً هائلاً في مبيعاتها السنوية داخل فيتنام، حيث بلغت الزيادة 127% خلال شهر مارس الماضي. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نحو 40% من السيارات التي ستسير في شوارع فيتنام بحلول عام 2025 ستكون مركبات كهربائية بالكامل.
وأفادت مصادر إدارية في قطاع المبيعات بأن العملاء يضعون تكلفة الوقود كعامل أول عند اتخاذ قرار الشراء في الوقت الراهن. وقد سجلت بعض الصالات مبيعات تتراوح بين 300 و400 سيارة شهرياً، وهو ضعف المعدلات الطبيعية التي كانت تسجلها في الأشهر التي سبقت أزمة الطاقة الحالية.
المستهلكون باتوا يحسبون نفقاتهم الشهرية بدقة، والمبالغ المخصصة للوقود في ارتفاع مستمر مما يجعل التحول للكهرباء خياراً حتمياً.
واضطرت العديد من مراكز البيع إلى تمديد ساعات عملها الرسمية لاستيعاب الزيادة الكبيرة في عدد الزوار التي تجاوزت 30%. وأكدت التقارير أن أكثر من نصف العملاء الجدد هم ممن قرروا التخلي نهائياً عن محركات الاحتراق الداخلي لصالح المحركات الكهربائية النظيفة.
وعلى الصعيد الإقليمي، برزت الشركات الصينية كلاعب أساسي في هذا التحول، حيث تتصدر شركة 'بي واي دي' المشهد كأبرز منافس لشركة تسلا الأمريكية. وقد نجحت الشركة الصينية في اقتناص حصة سوقية كبرى في دول مثل تايلاند والفلبين، مستفيدة من قدرتها الإنتاجية العالية وأسعارها التنافسية.
وفي معرض بانكوك الدولي للسيارات، حققت 'بي واي دي' مفاجأة كبرى بتجاوزها شركة 'تويوتا' اليابانية في عدد الطلبات المؤكدة للمرة الأولى في تاريخ المعرض. ويعكس هذا التفوق تغيراً في نظرة المستهلك التايلاندي الذي بات يفضل التكنولوجيا الكهربائية لمواجهة عدم استقرار أسعار الوقود.
وفي مانيلا، وصفت مصادر تجارية الإقبال على السيارات الكهربائية بأنه انتقل إلى 'مستوى مختلف تماماً' عما كان عليه في السابق. وأوضحت المصادر أن فئات مهنية مثل الأطباء ورجال الأعمال باتوا يشعرون بأنهم 'يُعاقبون' بأسعار البنزين الحالية، مما يدفعهم للتحول السريع نحو البدائل الكهربائية.
وتطمح شركة 'بي واي دي' لتعزيز حضورها الدولي بشكل أكبر، حيث رفعت توقعات صادراتها لعام 2026 إلى 1.5 مليون سيارة. ويأتي هذا الطموح في ظل المنافسة الشرسة داخل السوق الصينية المحلية، مما يدفع الشركات للبحث عن أسواق بديلة في جنوب شرق آسيا وأوروبا.
وأكدت رابطة صناعة السيارات الصينية أن صادرات المركبات الكهربائية تضاعفت خلال شهر مارس الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ويرى خبراء الطاقة أن هناك رد فعل مباشراً وحاداً من المستهلكين تجاه القفزات المفاجئة في أسعار الديزل والبنزين المرتبطة بالأحداث السياسية.
بالتوازي مع زيادة الطلب، تسارع الحكومات الآسيوية مثل إندونيسيا لتطوير البنية التحتية ومحطات الشحن الوطنية. وتهدف هذه الخطوات إلى تقليل الاستهلاك المرتفع للطاقة التقليدية وتأمين منظومة نقل مستدامة لا تتأثر بشكل مباشر بالهزات الجيوسياسية في مناطق إنتاج النفط.





Share your opinion
أزمة وقود عالمية تدفع الأسواق الآسيوية نحو طفرة في السيارات الكهربائية