Sat 11 Apr 2026 4:42 am - Jerusalem Time

أحكام 'التخابر مع تركيا': تساؤلات حول العدالة واستهداف النخبة والنساء في مصر

شهد مجمع سجون بدر في السابع من نيسان/ أبريل 2026، صدور أحكام قضائية مثيرة للجدل في القضية المعروفة إعلامياً بـ 'التخابر مع تركيا'. وأسدلت الدائرة الأولى جنايات الستار على المحاكمة بإصدار عقوبات تراوحت بين السجن المؤبد والمشدد، مما أثار موجة من التساؤلات حول مستقبل الانفراج الحقوقي في البلاد.

واعتبر مراقبون أن هذه الأحكام تمثل وثيقة سياسية تعكس انسداد الأفق أمام ملف المعتقلين السياسيين، خاصة النساء منهم. وقد وصفت تقارير حقوقية دولية المحاكمة بأنها تفتقر لأدنى معايير النزاهة القانونية، مشيرة إلى أنها تأتي ضمن سلسلة من القضايا ذات الطابع السياسي المستمرة منذ سنوات.

وتصدرت حالة المعتقلة سمية ماهر أحمد حزيمة المشهد الحقوقي، بعد صدور حكم بحقها بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات. سمية التي قضت نحو تسع سنوات في الحبس الاحتياطي والانفرادي منذ عام 2017، يرى حقوقيون أن الحكم بحقها يهدف لشرعنة سنوات التنكيل التي سبقت المحاكمة خارج إطار القانون.

ويرى محللون أن قضية سمية تفتح ملف 'الانتهاكات المركبة' في السجون المصرية، حيث تعرضت لحبس انفرادي مطول يُصنف دولياً كنوع من أنواع التعذيب. ويشير الحكم المتأخر إلى استراتيجية قضائية تهدف إلى التغطية على التجاوزات الإجرائية السابقة عبر إصدار عقوبات مشددة.

ولم يقتصر استهداف النساء على سمية، بل شمل أحكاماً بالمؤبد بحق حنان سمك وبسمة السروي ورشا ماهر إمام. وتعكس هذه المدد العقابية غير المسبوقة نهجاً تصعيدياً يكسر الخطوط الحمراء التقليدية في التعامل مع المرأة داخل المجتمع المصري، ويستخدمها كأداة للضغط السياسي.

وتتعارض هذه الأحكام، بحسب مصادر حقوقية، مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تعد مصر طرفاً فيها. كما ترسل إشارات سلبية حول جدية 'الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان' التي تروج لها السلطات في المحافل الدولية.

وفي جانب آخر من المأساة الإنسانية، شملت أحكام المؤبد أسماء تجاوزت السبعين من عمرها، وفي مقدمتهم الدكتور رشاد بيومي. ويعد بيومي أكبر سجين سياسي في مصر حيث تجاوز التسعين عاماً، مما يجعل الحكم بحقه بمثابة 'إعدام بطيء' نظراً لظروفه الصحية المتدهورة.

ويفرض القانون الدولي الإنساني معاملة خاصة لكبار السن والمرضى، وهو ما يرى حقوقيون أن القضاء المصري تجاهله تماماً في هذه القضية. ويؤكد هؤلاء أن الغرض من الاحتجاز في مثل هذه الحالات يبدو تنكيلياً أكثر منه عقوبة تأديبية قانونية.

وضمت قائمة المحكوم عليهم نخبة من المجتمع الأكاديمي والمهني، من بينهم أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات مثل محمد بديع ومحمود عزت ومحمود غزلان. ويرى مراقبون أن تحويل هؤلاء العلماء من منابر العلم إلى الزنازين بتهم فضفاضة يمثل خسارة وطنية فادحة وتجريفاً للعقل المصري.

ومن الناحية القانونية، سجلت مصادر حقوقية عواراً واضحاً في مسار القضية، حيث خلت من أي أدلة مادية ملموسة. واستندت المحكمة بشكل حصري على 'محاضر التحريات المكتبية' للأمن الوطني، وهي محاضر لا تصلح قانوناً كدليل منفرد للإدانة وفقاً لمحكمة النقض.

كما رُصد خلال المحاكمة إخلال ممنهج بحق الدفاع، حيث مُنع المتهمون من التواصل مع محاميهم لفترات طويلة. وقبع المعتقلون لسنوات في عزل تام عن العالم الخارجي وعن أسرهم، مما جعل تقديم دفاع قانوني سليم أمراً مستحيلاً من الناحية العملية.

وتأتي هذه الأحكام في توقيت يشهد تقاربات اقتصادية ودبلوماسية بين القاهرة وعواصم أوروبية وأنقرة، حيث شمل الحكم شخصيات تركية مثل نهاد أكمان وفهمي بولنت. ويضع هذا المشهد المجتمع الدولي أمام تساؤلات حول ازدواجية المعايير في تغليب المصالح على مبادئ حقوق الإنسان.

وانتقدت منظمات حقوقية صمت المؤسسات الرسمية المصرية، وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الإنسان، تجاه ظاهرة 'تدوير' القضايا. ويُقصد بالتدوير إعادة حبس المتهمين في قضايا جديدة فور صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، للالتفاف على مدد الحبس الاحتياطي القانونية.

وفي الختام، تضع هذه الأحكام استقلالية القضاء المصري تحت المجهر الدولي، وسط مطالبات بضرورة الإفراج الصحي الفوري عن كبار السن. وتظل قضية 'التخابر' نموذجاً لما يصفه الحقوقيون بالانهيار القانوني الذي تُصادر فيه حقوق الدفاع وتُهدر فيه كرامة الإنسان.

Tags

Share your opinion

أحكام 'التخابر مع تركيا': تساؤلات حول العدالة واستهداف النخبة والنساء في مصر

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.