أفادت تقارير صحفية دولية بأن دول الخليج تعيش حالة من التوجس حيال تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، عقب انتهاء جولة الصراع الأخيرة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة. وترى هذه الدول أن طهران خرجت من المواجهة بوضعية استراتيجية أقوى، خاصة مع استمرار سيطرتها على مضيق هرمز الحيوي، وهو ما يهدد أمن الملاحة الدولية واستقرار الإمدادات النفطية.
وذكرت المصادر أن الحكومة الإيرانية بدأت بالترويج لوقف إطلاق النار مع واشنطن بوصفه نصراً استراتيجياً كبيراً، في حين يشعر حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط بأنهم دفعوا ثمن حرب لم تحقق مكاسب سياسية ملموسة لهم. وقد تعرضت المنشآت الحيوية في دول الخليج لآلاف الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع نظام إيراني بات أكثر جرأة في فرض أجندته الإقليمية.
وفي هذا السياق، صرح محمد باهارون، مدير مركز دبي لبحوث السياسات العامة، بأن إيران هي المستفيد الوحيد من النتائج الراهنة، حيث استعادت دورها التاريخي كقوة مهيمنة في الخليج. وأشار باهارون إلى أن الاتفاق الحالي لم يقلل من حجم التهديدات المحيطة بالمنطقة، بل استبدلها بمخاطر أكثر تعقيداً تتطلب رؤية أمنية جديدة للتعامل مع الواقع المفروض.
من جانبهم، يرى مراقبون سياسيون أن الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين لا تمثل نهاية حقيقية للصراع، بل هي مجرد استراحة محارب قد تتبعها مواجهات أعنف. وأوضح المحلل الكويتي حمد الثنيان أن هذه الهدنة تظل مؤقتة ومرتبطة بمدى نجاح الجولة الأولى من المفاوضات، محذراً من أن فشل المسار الدبلوماسي سيعيد المنطقة إلى مربع التصعيد العسكري المباشر.
وانتقد محللون خليجيون توجهات الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، مشيرين إلى أن التحول المفاجئ نحو التفاوض بعد تهديدات التدمير الشامل يعكس تجاهلاً واضحاً لمصالح الحلفاء. واعتبر المحلل البحريني مهدي غلوم أن واشنطن سعت لتأمين مصالحها الخاصة دون النظر إلى التبعات الأمنية التي ستتحملها دول المنطقة نتيجة بقاء القدرات الإيرانية دون رادع حقيقي.
ورغم حالة الارتياح النسبي التي سادت العواصم الخليجية بعد تجنب ضربات إيرانية واسعة للبنية التحتية للطاقة، إلا أن استمرار الهجمات المتقطعة يثير الشكوك. فقد سجلت مصادر أمنية استمرار سقوط قذائف ومسيرات في مناطق متفرقة من السعودية والإمارات والكويت، مما يضع صدقية وقف إطلاق النار على المحك في ظل استمرار العمليات العسكرية في جبهات أخرى.
وفيما يتعلق بالصراع على الممرات المائية، أكد المحلل نديم قطيش أن الاختبار الحقيقي لنتائج الحرب يكمن في وضعية مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة. وأوضح قطيش أن احتفاظ طهران بأي شكل من أشكال السيطرة العسكرية على المضيق سيعد انتصاراً حاسماً لها، بينما سيكون تجريدها من هذا السلاح بمثابة هزيمة استراتيجية لمشروعها التوسعي.
إيران هي الطرف الوحيد الراضي عن النتيجة، لقد استعادت مكانتها كشرطي للخليج واستيقظنا على مخاطر أكبر.
من جهته، اعتبر الأكاديمي الكويتي بدر السيف أن نجاح إيران في تحويل مضيق هرمز إلى قضية محورية يتجاوز في أهميته الملف النووي وصناعة الصواريخ الباليستية. ويرى السيف أن الولايات المتحدة وإسرائيل أدارتا الحرب بمعزل عن التنسيق مع دول الخليج، مما جعل الأخيرة ضحية لتفاهمات كبرى قد تكرس الهيمنة الإيرانية على المدى الطويل.
وعلى الصعيد الرسمي، التزمت القيادات الخليجية الصمت تجاه تفاصيل قرار وقف إطلاق النار، إلا أن الموقف السعودي جاء حازماً بضرورة ضمان حرية الملاحة الكاملة. وشددت الرياض في بيان لها على أن أي اتفاق لا يضمن فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية يظل ناقصاً ولا يخدم استقرار المنطقة أو الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، حاول المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش تقديم قراءة إيجابية، معتبراً وقف إطلاق النار نصراً للدبلوماسية ولأبوظبي التي واجهت ضغوطاً عسكرية مكثفة. ويرى قرقاش أن وقف العمليات العدائية يمنح فرصة لإعادة تقييم المسارات السياسية بعيداً عن لغة التهديد العسكري التي سادت الأسابيع الخمسة الماضية.
إلى ذلك، قلل المحلل السعودي علي الشهابي من قيمة الشعور الإيراني بالانتصار، لافتاً إلى حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً. وأكد الشهابي أن الخسائر العسكرية التي تكبدتها طهران في أصولها الاستراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة، مما يجعل ادعاءات النصر مجرد استهلاك محلي للتغطية على حجم الفشل.
لكن الخبير في الشؤون الإيرانية نيكولاي كوزانوف يتبنى وجهة نظر مغايرة، حيث يرى أن طهران استطاعت ترميم انكساراتها السابقة من خلال فرض واقع جديد على الأرض. وأكد كوزانوف أن دول المنطقة باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى ضرورة التوصل إلى صيغة تعايش أو اتفاق مباشر مع الإيرانيين لضمان أمنها القومي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران استغلت فترة التصعيد لتعزيز تموضعها في نقاط استراتيجية حساسة، وهو ما يثير قلق المؤسسات الدفاعية في المنطقة. وتخشى هذه المؤسسات من أن تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التسلح وتطوير التكتيكات الهجومية، خاصة في ظل غياب ضمانات دولية ملزمة تمنع تكرار الهجمات على المنشآت المدنية.
ختاماً، يبقى المشهد في الخليج معلقاً بين آمال السلام الهش ومخاوف الانفجار القادم، وسط ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد. وتجمع التحليلات على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع البارد، حيث ستكون الدبلوماسية مدعومة بالقدرات العسكرية هي المحرك الأساسي للعلاقات الإقليمية في المرحلة المقبلة.





Share your opinion
مخاوف خليجية من تنامي النفوذ الإيراني عقب وقف إطلاق النار وتجاهل واشنطن لمصالح الحلفاء