Thu 09 Apr 2026 4:14 pm - Jerusalem Time

بين التهديد والتهدئة.. هل ينجح أسلوب 'الرجل المجنون' في إدارة صراع ترمب مع إيران؟

كشف التراجع المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تهديداته العنيفة تجاه إيران عن ملامح أسلوبه التفاوضي المثير للجدل، والذي يتسم بصعوبة التنبؤ والمخاطرة العالية. وجاء قراره بالموافقة على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين كخطوة وصفت بأنها الأهم لنزع فتيل مواجهة عسكرية دامت 40 يوماً، وألقت بظلالها الثقيلة على أمن الشرق الأوسط واستقرار إمدادات الطاقة العالمية.

أثار هذا التحول موجة من الانتقادات والتعليقات الساخرة، حيث استعاد مراقبون مصطلح 'تاكو' الذي يشير إلى تراجعات ترمب المتكررة عن مواقفه المتشددة. وجاء إعلان الهدنة، التي تمت بوساطة باكستانية، قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة نهائية حددتها واشنطن لطهران لفتح مضيق هرمز، مما عكس حالة من الترقب الشديد سادت الأوساط الدولية.

وفي محاولة لتبرير هذا التحول، زعم ترمب عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة تمكنت من تحقيق كافة أهدافها العسكرية بل وتجاوزتها في المواجهة الأخيرة. ورغم محاولته تصوير الأمر كنجاح استراتيجي، إلا أن خبراء في القانون الدولي أشاروا إلى أن التهديدات السابقة التي أطلقها كانت قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب لو نُفذت فعلياً.

يرى محللون سياسيون أن أسلوب ترمب القائم على المبالغة قد يضعه في مأزق دبلوماسي يقوض مصداقية الولايات المتحدة أمام القوى العظمى مثل روسيا والصين. وأوضح جون ألترمان، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الرئيس الأمريكي وقع ضحية لمبالغاته الخطابية، حيث كانت تكلفة تنفيذ تهديداته بتدمير الحضارة الإيرانية باهظة وغير واقعية.

من جانبه، نفى البيت الأبيض عبر المتحدثة كارولاين ليفيت أن يكون هذا التحول تراجعاً عن المبادئ، معتبرة أن هذه النبرة الحادة هي جزء أصيل من 'الأسلوب التفاوضي الصارم' للرئيس. وأكدت الإدارة الأمريكية أن على العالم أن يأخذ تصريحات ترمب بجدية تامة، معتبرة أن الغموض هو سلاح فعال لإرباك الخصوم وإجبارهم على تقديم تنازلات.

وتشير التقارير إلى أن هذه الاستراتيجية تبدو أحياناً متعمدة ومنظمة، بينما تظهر في أحيان أخرى كقرارات عشوائية تُتخذ دون التنسيق مع المساعدين أو المستشارين. وغالباً ما تتأثر مواقف الإدارة بالضغوط القادمة من الأسواق المالية أو القاعدة الشعبية المؤيدة لحركة 'لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً'، مما يجعل السياسة الخارجية رهينة للتقلبات الداخلية.

ارتبط مصطلح 'تاكو' تاريخياً بخسائر فادحة شهدتها البورصة الأمريكية، حيث تراجع ترمب سابقاً عن رسوم جمركية بعد خسارة السوق نحو 6.5 تريليونات دولار. ويتكرر هذا النمط حالياً، حيث استجابت الأسواق بإيجابية واضحة لإعلان الهدنة مع إيران، وقفز مؤشر 'ستاندرد اند بورز 500' بنسبة 2.5% فور صدور الأنباء عن وقف إطلاق النار.

لم يقتصر نهج التراجع على الملف الإيراني، بل شمل ملفات دولية أخرى مثل التهديدات السابقة بالاستيلاء على غرينلاند أو التدخل في قطاع غزة المدمر. ورغم أن بعض المواعيد النهائية التي حددها ترمب في ملفات إقليمية حققت نتائج جزئية، إلا أن مطالبته للفصائل الفلسطينية بإلقاء السلاح لم تجد صدى حقيقياً على أرض الواقع.

على الجانب الآخر، أثبت ترمب قدرته على تنفيذ تهديدات عسكرية صارمة في ولايته الثانية، وهو ما تجلى في العملية العسكرية الخاطفة التي استهدفت فنزويلا. فقد تمكنت القوات الخاصة الأمريكية من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في يناير الماضي، مما مهد الطريق لتنصيب قيادة جديدة تتماشى مع المصالح والتوجهات الأمريكية في المنطقة.

وفيما يخص الملف النووي، صعد ترمب من ضغوطه العسكرية بانضمامه المباشر إلى إسرائيل في العمليات ضد إيران في فبراير الماضي، تزامناً مع مفاوضات دبلوماسية جارية. هذا المزيج بين الضغط العسكري والمفاوضات السياسية يعكس رغبة الإدارة في الوصول إلى 'حافة الهاوية' قبل انتزاع المكاسب النهائية من الخصم الإيراني.

يؤكد مساعدو ترمب أن جعل تصرفات الرئيس غير قابلة للتنبؤ هو تكتيك مدروس يهدف إلى وضع الخصوم في حالة دائمة من القلق وعدم اليقين. ويرى جوناثان بانيكوف، المسؤول السابق في المخابرات الوطنية أن ما حدث ليس تراجعاً بالمعنى التقليدي، بل هو مناورة ناجحة دفعت إيران إلى الحافة ثم وفرت مخرجاً مؤقتاً يخدم المصالح الأمريكية.

تتقاطع هذه الاستراتيجية مع 'نظرية الرجل المجنون' التي اشتهر بها ريتشارد نيكسون، والتي تقوم على إقناع الأعداء بأن الرئيس متهور وقد يلجأ لخيارات كارثية. الهدف من هذا الإيحاء هو إجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات كبرى لتجنب مواجهة شاملة، وهو ما يبدو أن ترمب يحاول استنساخه في تعامله مع الأزمات الدولية المعقدة.

يعتبر ألكسندر جراي، المسؤول السابق في إدارة ترمب أن الخطاب التصعيدي يهدف أساساً إلى 'التصعيد من أجل التهدئة' وفرض شروط واشنطن من موقع القوة. ومع ذلك، يحذر خبراء من أن هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا ما اعتاد الخصوم على فكرة أن التهديدات الأمريكية هي مجرد أدوات خطابية لا تتبعها أفعال حقيقية.

ختاماً، يرى مارك دوبويتز من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن تبني عقلية 'الأكثر جنوناً' قد يكون ضرورياً لمواجهة أنظمة متشددة، لكنه يحمل مخاطر جسيمة. فالمشكلة الأساسية في هذه النظرية تكمن في أنها لا تكتفي بإخافة الأعداء، بل تثير الرعب والقلق لدى الحلفاء والشعب الأمريكي على حد سواء، مما يهدد الاستقرار العالمي طويل الأمد.

Tags

Share your opinion

بين التهديد والتهدئة.. هل ينجح أسلوب 'الرجل المجنون' في إدارة صراع ترمب مع إيران؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.