يُقدم كتاب 'دول الخليج العربية وإيران'، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تشريحاً دقيقاً للعلاقات الشائكة في منطقة الخليج. الكتاب الذي حرره مروان قبلان بمشاركة نخبة من الباحثين، يقع في أكثر من أربعمائة صفحة، متناولاً أبعاد الصراع من منظور تاريخي واستراتيجي معاصر.
تُشكل إيران، بوزنها الديمغرافي وموقعها الجغرافي، تحدياً استراتيجياً ثابتاً لدول الخليج العربية، بغض النظر عن طبيعة العلاقات الثنائية المتغيرة. وتنطلق السياسات الإيرانية من رؤية النخب الحاكمة في طهران لدور بلادهم كقوة إقليمية تسعى للتحكم في الممرات المائية وتأمين مصالحها عبر أذرع خارجية.
في المقابل، تفتقر دول الخليج العربية إلى موقف إقليمي موحد تجاه طهران، حيث تظل استراتيجياتها محكومة بالترتيبات الثنائية والخصومات البينية. ويرى المحرر مروان قبلان أن هذا التشتت يضعف الموقف الخليجي العام في مواجهة الاستراتيجية الإيرانية الأكثر تماسكاً ووضوحاً في أهدافها الإقليمية.
يُجمع الباحثون في الكتاب على أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان نقطة التحول الأخطر في تاريخ المنطقة الحديث. فقد أدى سقوط بغداد إلى انهيار نظام توازن القوى التقليدي، مما أفسح المجال لتمدد النفوذ الإيراني وزاد من ارتهان دول الخليج للحماية الأمنية الأمريكية.
تتعدد مستويات التوتر بين الطرفين، حيث يبرز الصراع السعودي الإيراني كقطب رحى للتنافس السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. كما يبرز النزاع الإماراتي الإيراني حول الجزر الثلاث كأحد الملفات السيادية العالقة التي تسمم أجواء الثقة بين ضفتي الخليج منذ عقود طويلة.
تختلف تصورات التهديد بين العواصم الخليجية بشكل واضح، فبينما تصنف الرياض وأبو ظبي والمنامة النظام الإيراني كتهديد وجودي، تتبنى مسقط والدوحة والكويت نهجاً أكثر مرونة. هذه الدول الأخيرة ترى في إيران جاراً ومنافساً يمكن التعايش معه عبر الحوار والوساطات الدبلوماسية المستمرة.
من جهتها، لا ترى طهران في دول الخليج تهديداً مباشراً بذاتها، بل تعتبر الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي هو الخطر الوجودي الحقيقي. وتستخدم إيران نفوذها الإقليمي كخط دفاع متقدم لمنع انتقال الصراعات إلى داخل حدودها، وهو ما يفسر دعمها لشبكة واسعة من الحلفاء في المنطقة.
إن غزو العراق كان الزلزال الذي ضرب النظام الأمني الخليجي وزعزع استقراره، مما كشف دول المنطقة استراتيجياً أمام النفوذ الإيراني.
تشير الدراسات الواردة في الكتاب إلى أن العوامل الطائفية والاثنية تلعب دوراً في تأجيج الصراع، لكنها ليست المحرك الوحيد. فالمواريث الاستعمارية البريطانية، خاصة في ملف الحدود والجزر، تركت ألغاماً موقوتة لا تزال تنفجر في وجه محاولات التقارب العربي الإيراني بين الحين والآخر.
يتطرق الباحث جودت بهجت إلى محفزات السياسة الخارجية الإيرانية، مؤكداً أنها محكومة بتوجهات أيديولوجية ثابتة منذ ثورة 1979. ويرى بهجت أن الاتفاقات الدولية، بما فيها الاتفاق النووي، ليست سوى مناورات تكتيكية لا تمس الجوهر الاستراتيجي للنظام الساعي لفرض هيمنته الإقليمية.
أما الدور الأمريكي في المنطقة، فيوصف في الكتاب بأنه 'مغامرة كارثية' أدت إلى تقويض الاستقرار بدلاً من تعزيزه. فقد فشلت واشنطن في فرض نظام أمني مستدام، وخلفت وراءها دماراً مادياً وإنسانياً في العراق ساهم في صعود التيارات المتطرفة التي هددت الجميع بلا استثناء.
تسببت انتفاضات الربيع العربي عام 2011 في تعميق الفجوة بين دول المنطقة، حيث تباينت المواقف الخليجية تجاه دعم التغيير أو الحفاظ على الوضع القائم. هذا الانقسام أضعف الجبهة العربية وجعلها عالقة بين مخاوف التمدد الإيراني ومخاوف التخلي الأمريكي المفاجئ عن حلفائها التقليديين.
يبحث الكتاب أيضاً في محاولات قوى دولية مثل روسيا والصين والهند لرسم ملامح نظام أمن شامل في الخليج. ومع ذلك، تظل هذه المحاولات متعثرة بسبب انعدام الثقة المتبادل والارتباط الوثيق لبعض دول المنطقة بالمنظومة العسكرية الغربية التي ترفض أي فراغ قد تملؤه قوى منافسة.
رغم القتامة التي تسيطر على المشهد، يطرح الباحث عبد الله الغيلاني رؤية تفاؤلية تقوم على 'الواقعية السياسية'. ويدعو الغيلاني إلى ضرورة فك الارتباط بين أمن الخليج والصراع الأمريكي الإيراني، والتركيز على المصالح الجيوسياسية المشتركة التي تفرضها الجغرافيا والتاريخ.
يختتم الكتاب بالتأكيد على أهمية خلق قنوات للتثاقف السياسي والتواصل بين النخب الفكرية في ضفتي الخليج. إن إنتاج خيارات تصالحية يتطلب تجاوز الخطاب المذهبي والتعالي القومي، والبحث عن معادلة ردع استراتيجي تضمن توازناً يحفظ أمن جميع الدول بعيداً عن التدخلات الخارجية.





Share your opinion
صراع الاستراتيجيات في الخليج: قراءة في مأزق النظام الإقليمي والعلاقة مع إيران