أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موجة غضب واسعة بعد استخدامه لغة وصفت بالسامة والمهينة تجاه المسلمين، حيث تعمد السخرية في خطاب عام ومن خلال منصته 'تروث سوشيال'. وتحدى ترامب في حديثه بأسلوب تهكمي الذات الإلهية، مستخدماً عبارات بذيئة لا تليق ببروتوكولات العمل السياسي أو الدبلوماسي الدولي، مما اعتبره مراقبون إعلاناً صريحاً لعداء عقائدي.
ولم يتوقف الأمر عند السخرية، بل امتد ليشمل تهديدات مباشرة بإعادة دول في المنطقة إلى العصور الحجرية، وهو ما يعكس عقلية تدميرية تسعى لإدخال الشرق الأوسط في خراب شامل. وقد أنهى ترامب تدوينته بعبارة 'الحمد لله' بأسلوب تهكمي، مستهدفاً الكلمة التي يقدسها مليار ونصف مليار مسلم حول العالم، مما يضع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع الشعوب الإسلامية.
هذا الخطاب العدائي يتناغم بشكل واضح مع تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصف المسلمين صراحة بأنهم أعداء يجب محاربتهم بكافة طوائفهم. ويبدو أن هناك تحالفاً يتبلور خلف الستار يعتمد على 'شيطنة' الآخر الديني لتبرير العمليات العسكرية والسياسات التوسعية في الأراضي الفلسطينية والمنطقة المحيطة بها.
في سياق متصل، برز دور رود جولياني، المحامي الشخصي لترامب، الذي شن هجوماً لاذعاً على المسلمين في المملكة المتحدة عبر مقابلة تلفزيونية مثيرة للجدل. جولياني لم يكتفِ بمهاجمة الجالية المسلمة، بل ذهب إلى حد وصف الشريعة الإسلامية بـ 'عبادة الموت'، زاعماً وجود نفوذ إسلامي يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة البريطانية ونظامها القانوني.
ومن أغرب الادعاءات التي ساقها جولياني هي زعمه بأن الملك تشارلز الثالث قد يكون 'مسلماً سراً'، في محاولة لربط العائلة المالكة البريطانية بما يصفه بالخطر الإسلامي. وتأتي هذه التصريحات في وقت يحاول فيه اليمين المتطرف في الغرب ربط الهجرة والوجود الإسلامي في أوروبا بالصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، وتحديداً المواجهة مع إيران.
إن زج ترامب لبلاده في استعداء المسلمين لا يجعلها عظيمة، بل أكثر ضعفا وهشاشة ويُسرع في انهيارها.
على النقيض من هذا الخطاب المتطرف، يبرز موقف الملك تشارلز الثالث الذي لطالما دعا إلى احترام التنوع الثقافي والديني في بريطانيا والعالم. ويرى الملك أن التراث الإسلامي جزء لا يتجزأ من بناء الحضارة الأوروبية الحديثة، محذراً من أن تجاهل هذا الإرث المشترك يعكس جهلاً تاريخياً عميقاً يهدد السلم الاجتماعي والتعايش بين الشعوب.
ويرى باحثون في مقارنة الأديان أن ما يحدث اليوم هو استحضار للنصوص المقدسة وتحويلها إلى وقود في ساحات القتال، حيث يتم تسييس الدين بشكل فج. فترامب يحاول تقديم نفسه في المخيال الديني الصهيوني كشخصية 'قورش الأكبر' الذي سيعيد صياغة المنطقة وفقاً لنبوءات تاريخية ودينية تخدم المشروع الإسرائيلي في المقام الأول.
إن خطورة هذه المرحلة تكمن في التقاء البعد القومي بالبعد الديني المتطرف داخل إسرائيل والولايات المتحدة، حيث يصبح هدم المقدسات أو تغيير هوية الأرض ضرورة دينية لهؤلاء. هذا التوجه يحول الصراع من خلاف سياسي يمكن حله بالطرق الدبلوماسية إلى حرب وجودية دينية لا تبقي ولا تذر، وهو ما حذر منه مفكرون عالميون منذ عقود.
التصريحات التي يطلقها قادة سياسيون وعسكريون أمريكيون اليوم لم تعد تتحدث بلغة السياسة والمصالح، بل أصبحت تعتمد لغة الحشد الديني والصلوات الجماعية في أروقة الحكم. هذا التحول يشير إلى أننا بصدد الدخول في 'قرن ديني' بامتياز، لكنه قرن يستخدم الدين كأداة للهيمنة والسيطرة بدلاً من كونه وسيلة للسلام والارتقاء الروحي.
ختاماً، فإن استمرار هذا النهج العنصري والخطاب الاستفزازي تجاه الإسلام والمسلمين لن يؤدي إلا إلى إضعاف القوى الدولية التي تتبناه وتسريع وتيرة الانقسام العالمي. إن العالم اليوم في حاجة ماسة إلى حوار قائم على المعرفة والاحترام المتبادل، بعيداً عن محاولات الشيطنة التي تقودها شخصيات تبحث عن مكاسب سياسية على حساب دماء الشعوب واستقرارها.





Share your opinion
توظيف الأساطير الدينية في السياسة الأمريكية: ترامب وجولياني وتصعيد الخطاب ضد الإسلام