تشهد الساحة القضائية في تونس تطورات متسارعة مع استمرار سلسلة المحاكمات التي تطال رموزاً من مراحل سياسية مختلفة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة هذه الملاحقات وتوقيتها. وقد برزت مؤخراً إحالة شخصيتين لهما ثقل معنوي وسياسي كبير إلى القضاء، مما أعاد تسليط الضوء على المشهد الحقوقي المتأزم في البلاد.
الشخصية الأولى هي محمد الغنوشي، الذي شغل منصب الوزير الأول وكان آخر رئيس حكومة في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. الغنوشي الذي عرف ببروفايله التقني وكفاءته المهنية بعيداً عن الصراعات الحزبية، يجد نفسه اليوم أمام دائرة الاتهام المختصة في قضايا الفساد المالي وهو في سن الرابعة والثمانين.
تتعلق الشبهات التي تلاحق الغنوشي بملفات قديمة مرتبطة بصفقات تابعة لوزارة الشباب والرياضة، وهو الأمر الذي أثار استغراباً في الأوساط التي عرفت الرجل بنزاهته وتقشفه طيلة مساره المهني. وتأتي هذه المحاكمة بعد سنوات طويلة من ابتعاده عن العمل السياسي وتفرغه لحياته الخاصة.
استذكرت مصادر مطلعة اللحظات العصيبة التي عاشها الغنوشي إبان ثورة يناير 2011، حين دُفع لتولي المسؤولية في ظرف تاريخي معقد. وقد كشف الغنوشي في لقاءات سابقة عن حجم الضغوط التي تعرض لها آنذاك، مؤكداً أنه واجه تهديدات مباشرة بالاغتيال في تلك الفترة الانتقالية الحرجة.
وفي سياق متصل، يواجه أنس الحمادي، رئيس جمعية القضاة التونسيين، ملاحقات قضائية أثارت ردود فعل غاضبة من قبل المنظمات الحقوقية. الحمادي الذي يقود جمعية لها تاريخ طويل في مقارعة الاستبداد، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع السلطة التنفيذية بسبب مواقفه المدافعة عن استقلال القضاء.
الحمادي كان قد عبر صراحة عن رفضه لقرار حل المجلس الأعلى للقضاء وتحويل القضاء إلى مجرد وظيفة تابعة للسلطة. وأكد في تصريحات جريئة أن القضاة يعيشون حالة من الرعب والخوف من بطش السلطة، معرباً عن خجله من الأحكام القاسية التي تصدر في قضايا سياسية.
منظمة العفو الدولية دخلت على خط الأزمة، حيث اعتبرت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي أن ملاحقة الحمادي هي عمل انتقامي. وأوضحت أن استهداف رئيس جمعية القضاة يأتي بسبب ممارسته لحقه في التعبير والدفاع عن استقلالية مهنته ضد التدخلات السياسية.
أنا كقاض أشعر بالحرج والخجل من الأحكام القاسية الصادرة في قضايا ذات طابع سياسي.
ولم تقتصر ردود الفعل على المستوى الدولي، بل أصدرت 23 جمعية ومنظمة تونسية بياناً مشتركاً شديد اللهجة. وأدانت هذه المنظمات، ومن بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ما وصفته بإمعان السلطة في المحاكمات السياسية ضد كل من يحمل رأياً مخالفاً.
البيان المشترك اعتبر أن هذه المحاكمات تهدف إلى ترهيب الحراك المدني والاجتماعي والسياسي في تونس. وأشارت المنظمات إلى أن استهداف الشخصيات العامة والقضاة المستقلين يمثل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات الحريات العامة التي تحققت في العقد الأخير.
ويرى مراقبون أن إحالة الغنوشي والحمادي في توقيت متزامن يعكس رغبة في إغلاق ملفات قديمة وجديدة بأسلوب يثير تساؤلات حول العدالة. فبينما يُحاكم الغنوشي على قضايا مالية مفترضة بعد عقود، يُحاكم الحمادي على مواقفه النقابية والمهنية الراهنة.
الحالة الصحية والعمرية لمحمد الغنوشي أضفت طابعاً إنسانياً على القضية، حيث يرى متعاطفون معه أن جره للمحاكم في هذا السن يفتقر للمبررات المنطقية. وفي المقابل، يرى منتقدوه أن القانون يجب أن يأخذ مجراه بغض النظر عن السن أو المكانة السابقة.
أما قضية أنس الحمادي، فقد أصبحت رمزاً للصراع بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي في تونس. فالحمادي لا يزال يتمتع بدعم واسع من زملائه القضاة الذين يرون في محاكمته استهدافاً لكل قاضٍ يرفض الانصياع للتعليمات السياسية في إصدار الأحكام.
تتزامن هذه المحاكمات مع حالة من الإحباط الشعبي تجاه المسار القضائي والسياسي في البلاد، حيث يرى الكثيرون أن التركيز على المحاكمات لم يغير من الواقع الاقتصادي الصعب. وأصبحت أخبار الملاحقات القضائية مادة يومية دسمة لكنها تزيد من حالة الانقسام الداخلي.
يبقى التساؤل قائماً حول مآلات هذه القضايا في ظل مناخ سياسي مشحون، ومدى قدرة القضاء التونسي على الحفاظ على استقلاليته. وفي انتظار ما ستسفر عنه الجلسات القادمة، تظل تونس تحت مجهر المنظمات الحقوقية الدولية التي تراقب بدقة تراجع مؤشرات الديمقراطية.





Share your opinion
ملاحقات قضائية في تونس تطال محمد الغنوشي ورئيس جمعية القضاة