كشف تقرير حديث لمجلة 'فورين بوليسي' عن أزمة طاقة عالمية متفاقمة ناتجة عن التوترات العسكرية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وأوضح التقرير أن التهديد الحقيقي للاستقرار الاقتصادي لا ينبع فقط من أسعار النفط الخام، بل من القفزات السعرية الهائلة في المنتجات المكررة، وفي مقدمتها وقود الطائرات الذي بات يهدد استمرارية حركة الملاحة الجوية الدولية.
وعلى الرغم من مرور أكثر من شهر على اندلاع العمليات العسكرية، إلا أن أسواق النفط الخام حافظت على تماسك نسبي بأسعار تتراوح بين 100 و115 دولاراً للبرميل. ومع ذلك، تشير المصادر إلى أن هذه الأرقام تخفي وراءها واقعاً قاتماً يتعلق بتكلفة المشتقات الحيوية، حيث تضاعف سعر وقود الطائرات ليصل إلى 195 دولاراً للبرميل، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 50% مقارنة بالخام نفسه.
هذا الارتفاع المفاجئ ألقى بظلاله الثقيلة على شركات الطيران في آسيا وأوروبا، مما دفع العديد منها إلى إلغاء رحلات مبرمجة وفرض رسوم إضافية لمواجهة التكاليف المتزايدة. ويحذر الخبراء من أن هذا المسار يهدد قطاع الطيران العالمي الذي تقدر قيمته بـ 4 تريليونات دولار، بالإضافة إلى قطاع الشحن الجوي الذي تبلغ قيمته نحو 8 تريليونات دولار سنوياً.
وتعود جذور الأزمة إلى تعقيد عملية تكرير وقود الطائرات مقارنة بالبنزين العادي، حيث يتطلب مواصفات فنية دقيقة لضمان العمل في درجات حرارة متجمدة ومنع الاشتعال المبكر. كما تبرز مشكلة التخزين كعائق إضافي، إذ إن مخزونات هذا النوع من الوقود تقاس بالأيام نظراً لسرعة تحلله، مما يجعل الأسواق عرضة للصدمات الفورية عند أي انقطاع في الإمدادات.
ويمثل مضيق هرمز نقطة الارتكاز في هذه الأزمة، حيث إن إغلاقه يهدد بتعطل خمس إنتاج العالم من النفط والمنتجات المكررة بشكل كامل. وتعتبر القارة الآسيوية من أكثر المناطق تضرراً، خاصة أستراليا التي تعتمد بشكل شبه كلي على الواردات من الصين وكوريا الجنوبية، واللتين بدأتا بالفعل في تقييد صادراتهما لتأمين احتياجاتهما المحلية.
وفي السياق ذاته، اتخذت الخطوط الجوية الكورية إجراءات طوارئ عاجلة، بينما رفعت الشركات اليابانية رسوم الوقود إلى مستويات قياسية وسط حالة من القلق تسود قطاع الطيران الصيني. وتأتي هذه التحركات في وقت تعطلت فيه الإمدادات المستقرة من خامات الشرق الأوسط التي تعتمد عليها المصافي الكبرى في شرق آسيا لإنتاج وقود المحركات النفاثة.
الخطر الأكبر لا يكمن في أسعار النفط الخام، بل في المنتجات المكررة وعلى رأسها وقود الطائرات التي تضاعفت تكلفتها خلال شهر واحد.
أما في القارة الأوروبية، فقد بدأت شركات الطيران الكبرى مثل 'رايان إير' البريطانية والأيرلندية في التحذير من تقليص جداول رحلاتها الصيفية بشكل حاد. كما تدرس شركة 'لوفتهانزا' الألمانية خيار إيقاف نحو 5% من أسطولها الجوي عن العمل، في ظل توقعات باستمرار أزمة الإمدادات وتصاعد التكاليف التشغيلية إلى مستويات غير مسبوقة.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الوضع يبدو أكثر استقراراً من الناحية الإنتاجية، حيث تنتج نحو مليوني برميل يومياً وتستهلك أقل من ذلك بقليل. إلا أن التحدي اللوجستي يكمن في تمركز المصافي بساحل الخليج، بينما تعاني المطارات الكبرى في الساحل الغربي من نقص حاد بعد توقف الواردات الآسيوية التي كانت تعتمد عليها تاريخياً.
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند حدود قطاع الطيران، بل تمتد لتشمل وقود الديزل الذي يعد العصب المحرك لقطاعات النقل البري والزراعة عالمياً. ويؤدي ارتفاع أسعار الديزل بشكل مباشر إلى زيادة تكاليف إنتاج ونقل الغذاء، مما يفاقم من أزمة التضخم العالمي التي تعاني أصلاً من ضغوط ناتجة عن ارتفاع أسعار الأسمدة الكيماوية.
وأشارت مصادر مطلعة إلى أن أسواق النفط 'الورقية' أو العقود الآجلة قد استوعبت صدمة الحرب جزئياً، متأثرة بتصريحات الرئيس دونالد ترامب حول إمكانية إنهاء الصراع سريعاً. ومع ذلك، فإن الأسواق الفعلية والواقع الميداني يفرضان معطيات مختلفة تماماً، حيث تعكس ندرة الوقود في المطارات والموانئ حقيقة الأزمة التي ستظهر آثارها بوضوح في الأسعار النهائية للمستهلكين.
ختاماً، يبقى الاقتصاد العالمي رهينة لتطورات الميدان في الشرق الأوسط وقدرة المصافي العالمية على سد الفجوة في المنتجات المكررة. ومع استمرار التصعيد العسكري، تظل احتمالات حدوث شلل في حركة التجارة والسفر الدولية قائمة، ما لم يتم التوصل إلى حلول تضمن تدفق الطاقة عبر الممرات المائية الدولية الحيوية.





Share your opinion
أزمة وقود الطائرات تهدد الاقتصاد العالمي مع استمرار التصعيد العسكري ضد إيران