تشهد خارطة الطاقة العالمية تحولات دراماتيكية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لاحتواء تداعيات الحرب المستمرة مع إيران منذ أواخر فبراير الماضي. وقد أدى هذا الصراع إلى تعطل شبه كامل للحركة الملاحية في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي يتدفق عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية إلى الأسواق الدولية.
سجلت أسعار النفط قفزة ملحوظة بنسبة 7% خلال تعاملات يوم الخميس، متأثرة بخطاب الرئيس ترامب الذي ألقاه من البيت الأبيض. وأكد ترامب في كلمته للأمة أن العمليات العسكرية ضد طهران ستستمر دون سقف زمني محدد، مشدداً على أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على مضيق هرمز لتأمين احتياجاتها الطاقية.
أوضح الرئيس الأمريكي في تصريحاته المثيرة للجدل أن واشنطن باتت تسيطر فعلياً على نحو 59% من إنتاج النفط العالمي، وهو ما يمنحها مرونة في التعامل مع الأزمات الجيوسياسية. وتأتي هذه التصريحات في وقت يسود فيه القلق أوساط المستثمرين من استمرار انقطاع الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
بالتزامن مع هذه التطورات، كشفت بيانات حديثة عن تراجع حاد في إنتاج منظمة 'أوبك' خلال شهر مارس الماضي، ليصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ ذروة جائحة كورونا في عام 2020. وأظهرت المسوحات أن إنتاج الدول الأعضاء انخفض بمقدار 7.30 ملايين برميل يومياً، مما فاقم من أزمة المعروض في السوق العالمي.
تصدر العراق قائمة الدول الأكثر تأثراً بهذا التراجع، حيث هبط متوسط إنتاجه اليومي إلى 1.6 مليون برميل فقط في مارس، مقارنة بأكثر من 4 ملايين برميل في الشهر الذي سبقه. كما اضطرت دول خليجية مثل السعودية والكويت والإمارات لخفض إنتاجها، رغم امتلاك الرياض وأبوظبي لمسارات تصدير بديلة تقلل الاعتماد على هرمز.
في المقابل، برزت فنزويلا كلاعب محوري في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث سجلت مع نيجيريا زيادة نادرة في الإنتاج داخل منظمة أوبك. وتسعى واشنطن لاستغلال الاحتياطيات الضخمة في كراكاس لتعويض النقص الحاد الناتج عن الحرب، مما دفعها لاتخاذ خطوات دبلوماسية واقتصادية متسارعة تجاه الحكومة الفنزويلية الجديدة.
أفادت مصادر مطلعة بأن إدارة ترامب تعتزم منح تراخيص إضافية لشركات النفط العالمية للعمل في الحقول الفنزويلية دون التعرض لملاحقة العقوبات. وتهدف هذه الخطوة إلى ضخ استثمارات فورية لتحديث البنية التحتية النفطية المتهالكة في البلاد، وضمان تدفق الخام إلى المصافي العالمية لتهدئة الأسعار المشتعلة.
لا نحتاج لمضيق هرمز، نحن نسيطر الآن على 59 بالمئة من نفط العالم.
أكدت وزارة الخزانة الأمريكية تحديث ثلاثة تراخيص عامة تتعلق بالتعاملات مع قطاع الطاقة الفنزويلي، في إشارة واضحة لرفع الحظر التدريجي. وأوضحت الوزارة أن هذه التعديلات تهدف إلى تعزيز استقرار سوق السلع الأساسية وضمان وصول الإمدادات الكافية للمستهلكين في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم.
على الصعيد السياسي، اتخذت واشنطن خطوة لافتة بإعلان رفع العقوبات عن الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، في إطار مساعي إعادة بناء الثقة بين البلدين. ويأتي هذا التحول بعد أشهر من العملية العسكرية الأمريكية التي أدت لاعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو في مطلع العام الجاري.
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً عن إعادة فتح سفارتها في كراكاس يوم الاثنين الماضي، واصفة الخطوة بأنها بداية لـ 'فصل جديد' من التعاون الثنائي. ويتضمن الاتفاق الجديد بنوداً تسمح للولايات المتحدة بالإشراف على بيع النفط الفنزويلي مقابل منح إعفاءات استثمارية واسعة النطاق للشركات الأمريكية والأجنبية.
انعكست هذه التحركات سريعاً على أرض الواقع، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن أن صادرات فنزويلا النفطية تجاوزت حاجز المليون برميل يومياً في مارس 2026. وتعد هذه المرة الأولى التي تصل فيها الصادرات إلى هذا المستوى منذ سبتمبر الماضي، مع توجه معظم الشحنات نحو المصافي الهندية ومنطقة الكاريبي.
تمتلك فنزويلا ثروة نفطية هائلة تقدر بنحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات المؤكدة، مما يضعها في المرتبة الأولى عالمياً متفوقة على السعودية. ورغم أن معظم هذا النفط من النوع الثقيل الذي يتطلب عمليات تكرير معقدة، إلا أن الحاجة الملحة للطاقة جعلت منه خياراً لا غنى عنه في الحسابات الأمريكية.
يرى مراقبون أن التوجه الأمريكي نحو فنزويلا يمثل إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى في سوق النفط، بعيداً عن مراكز النفوذ التقليدية في الشرق الأوسط. وتهدف واشنطن من خلال هذه المناورة إلى تقليل فاعلية 'سلاح النفط' الذي قد تستخدمه أطراف النزاع في منطقة الخليج العربي عبر إغلاق الممرات المائية.
تظل الجغرافيا السياسية هي المحرك الأساسي لأسعار الطاقة في المرحلة الراهنة، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع المصالح الاقتصادية الكبرى. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، تبدو فنزويلا هي الرهان الأكبر لإدارة ترامب لمنع انهيار الاقتصاد العالمي تحت وطأة نقص الوقود وارتفاع التكاليف.





Share your opinion
ترامب يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية: فنزويلا بديل استراتيجي لمضيق هرمز