Thu 02 Apr 2026 3:04 am - Jerusalem Time

بين المناضلين الحقيقيين والعابرين: قراءة في مآلات العمل الإصلاحي

تستدعي الذاكرة الدرامية المصرية أعمالاً فنية مثل مسلسل 'الرجل' وفيلم 'المواطن مصري'، لتعكس واقعاً متكرراً في تاريخ الأزمات. تدور هذه الأعمال حول فكرة محورية تتمثل في تواري المحاربين الحقيقيين الذين بذلوا أرواحهم في الميدان، ليفسحوا المجال أمام فئات انتهزت فرص التحولات الاقتصادية والسياسية لتحقيق صعود مفاجئ. هذا التشابه بين الفن والواقع يؤكد أن بعض المواقف التاريخية تتكرر بملامحها الجوهرية وإن اختلفت التفاصيل.

تأتي الكلمات أحياناً كصرخة نابعة من ألم التجربة وأمل التغيير، محذرة من أولئك الذين يسعون لاستغلال الظلام لتحقيق مآربهم الخاصة. إن الأمانة تقتضي من كل مخلص أن يدق أجراس التنبيه تجاه ممارسات لا يرتضيها ضمير أو دين، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأمة. وكما قال الشاعر طاهر أبو فاشا، فإن الخشية من السكوت تصبح واجباً عندما يضل الركب وتختفي الثوابت في ضجيج الصمت.

تبدأ الحركات الثورية عادة برغبة صادقة في التغيير يقودها مخلصون يواجهون نظمًا تقليدية مستميتة في الدفاع عن مكاسبها. ومع استطالة أمد المواجهة، تبدأ المعالم في التراجع، ويظهر على السطح من كانوا يقتاتون على مائدة النظم القديمة. هؤلاء، إذا نجوا من المحاسبة، يسعون لتعزيز موجة جديدة من المنتفعين الذين يختزلون الحياة في اللذة والاشتهاء، بعيداً عن مفهوم الكفاح والعقيدة.

إن مرور الزمن كفيل بغربلة الأفكار والأفراد، حيث يذهب المخلصون لملاقاة ربهم أو ينزوون تحت وطأة الهموم والمبارزات المنهكة. وفي هذه اللحظات الفارقة، يبرز 'الزبد' من المندسين الذين يظهرون في ليل الثورات كأنهم قادة، بينما هم في الحقيقة مجرد عابرين. هؤلاء يجدون أنفسهم في مواقع المسؤولية بمحض الصدفة أو نتيجة دفع الآخرين لهم، دون رغبة حقيقية في البناء أو الإصلاح.

يعتقد قطاع واسع من البشر أن الهدف من الوجود هو رغد العيش الشخصي وتأمين مستقبل الأبناء بأي ثمن. فإذا تحقق هذا الرغد عبر المبادئ كان خيراً، وإن لم يتحقق، فلا مانع من القفز فوق المبادئ مع الاحتفاظ بألقاب رنانة مثل 'مجاهد' أو 'مناضل'. وهذا الصنف هو أول من يجني ثمار الثورات أو يتربح من انتكاساتها، متدثراً بعباءة النضال الزائف.

لقد فطن المفكرون والعلماء، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، إلى خطورة الذين فشلوا في كسب الدنيا من أبواب الظلم، فقرروا طرق أبواب الدعاة والإصلاحيين. هؤلاء لم يأتوا للإصلاح، بل لإفساد المسار من الداخل وتحويله إلى وسيلة لتحقيق ما عجزوا عنه سابقاً. إنهم يفسدون القضايا العادلة بانتهازيتهم التي تفتقر إلى الصدق والإخلاص.

تتجلى الفتنة الحقيقية عندما يرضى البعض لأنفسهم بمواقع لا يستحقونها، مستغلين تضحيات ذويهم أو انتماءاتهم الأسرية. إن العمل باسم الثورة في مناصب تتطلب الكفاءة هو نوع من خيانة دماء الشهداء وآلام المعتقلين. ومن هنا تنشأ أزمة الكفاءة مقابل الولاء أو التبعية، مما يعطل مسيرة البناء الحقيقي ويخلق طبقة جديدة من المنتفعين.

إن فكرة 'المحاصصة' أو 'الكوتة' الجغرافية في التيارات الإصلاحية تحتاج إلى مراجعة جادة وشاملة. فبينما يجب إنصاف المناطق المبتلاة، لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب معيار الكفاءة الذي هو الضمانة الوحيدة لما ينفع الناس. وضع الشخص المناسب في المكان المناسب هو الاختبار الحقيقي لصدق التوجهات الثورية والقدرة على إحداث تغيير ملموس.

يطرح الواقع سؤالاً مريراً على أولئك الذين يتصدرون المشهد لمجرد أنهم كانوا 'الأعلى صوتاً' أو 'الأقل تضرراً' من السجون. إذا كان الهدف هو الانتصار للنفس وتحصيل النفوذ والمناصب وقت الأزمات، فلماذا تم اختيار المسار الإصلاحي من الأساس؟ إن المسار الثوري يتطلب تجرداً عن الذات، وليس تحويل التضحيات إلى صكوك للوجاهة الاجتماعية والسياسية.

إن الانقسام النفسي الذي يحدث عند تأخر النصر يكشف حقيقة المعادن ومدى الاستعداد للكفاح الطويل. فمن كان يظن أن النصر قاب قوسين أو أدنى دون بذل وتضحية، سيجد نفسه عاجزاً عن الاستمرار في طريق النضال الوعر. الثبات في الميادين يتطلب نفوساً صلبة لا تهتز أمام إغراءات المكاسب السريعة أو الإحباطات العابرة.

أمانة القلم هي من أعظم الأمانات بعد وراثة الأنبياء، وهي مسؤولية تتعلق بالدنيا والدين معاً. لا يجوز للأقلام أن تنزلق لإيهام الجماهير بانتصارات وهمية أو الزج بهم في مزيد من الابتلاءات من أجل مكاسب فئوية ضئيلة. الكاتب المخلص هو من يضيء الطريق بالحقائق، لا من يزينه بالأوهام لخدمة أجندات ضيقة.

إن بناء الأوطان يتطلب تجاوز عقلية الغنيمة والتحلي بروح المسؤولية الجماعية التي تضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار. لا يمكن للثورات أن تنجح إذا تحولت إلى مجرد وسيلة لاستبدال وجوه بوجوه مع بقاء نفس الممارسات الانتهازية. الإصلاح الحقيقي يبدأ من إصلاح النفوس وتطهير الصفوف من الشوائب التي تعيق حركة التقدم.

في نهاية المطاف، يبقى ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاءً مهما علا ضجيجه. التاريخ لا يرحم المتسلقين، والذاكرة الشعبية قادرة على التمييز بين من ضحى بصدق وبين من اتخذ من آلام الناس جسراً للعبور. إن الوفاء للقيم هو المعيار الوحيد للبقاء في سجل الشرفاء.

ختاماً إن التحدي الأكبر الذي يواجه أي حركة تغيير هو الحفاظ على نقائها الثوري في مواجهة الإغراءات السلطوية. إن الالتزام بالمسار الإصلاحي يفرض على أصحابه مراجعة دائمة للمواقف والقرارات، لضمان عدم الانحراف نحو المسارات التي ثاروا ضدها في المقام الأول. الأمانة تقتضي الوضوح، والوضوح هو أول خطوات النصر الحقيقي.

Tags

Share your opinion

بين المناضلين الحقيقيين والعابرين: قراءة في مآلات العمل الإصلاحي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.